كتاب وأراء

قضية الميراث في تونس .. صراع الهوية في الزمن الخطأ

يعود الجدل من جديد في الأوساط التونسية المختلفة حول قضية التساوي في الميراث بين الجنسين وذلك على خلفية المسيرة التي نظمتها جمعيات نسوية في العيد العالمي للمرأة للمطالبة بتعديل ما تعتبره قانونا تمييزيا ضد المرأة وضرورة تساويها في ميراثها مع الرجل. وكان الشعار الذي رفعته هذه الجمعيات «حق موش مزية» (أي أن التساوي حق وليس مكرمة من أحد) مثيرا للجلبة والنقاشات الصاخبة سواء في الأوساط النخبوية.
كما بين العموم مع تحول الموضوع إلى قضية رأي عام يتجادل حولها الجميع في فضاءات التواصل الاجتماعي والمنتديات العامة.
وبعيدا عن القضايا الفقهية والقانونية يمكن القول إن إثارة الموضوع في هذه المرحلة شكّلت دافعا لظهور نزاعات حول قضايا الهوية والخصوصية الثقافية في مواجهة تمسك أطراف بكونية حقوق الإنسان وشموليتها وضرورة السير قدما نحو تعميم المساواة بشكلها المطلق بين الجنسين. وإذا كان الإجماع حاصلا حول استحقاق المرأة التونسية لجملة من المكاسب ضمن المنظومة القانونية وأيضا في إطار العمل السياسي بداية من مسألة التناصف المفروض قانونا في القوائم الانتخابية وحق المرأة في الزواج من غير المسلم فإن مسألة الميراث تبدو أعقد من كل التحولات القانونية السابقة سواء المتعلقة بمنع تعدد الزوجات وحماية المرأة من العنف الأسري وفرضها شريكا كامل الحقوق في المجتمع ربما لارتباط الموضوع بجانبين كلاهما أعقد من الآخر أولهما وجود نص ديني صريح في القضية مما يجعل إخضاعه للتأويل أمرا صعبا ولا يمكن إقناع الجمهور به والعامل الثاني تعلقه بقضية اقتصادية مما يفرض الكثير من الحسابات حول كيفية تقسيم التركات والمواريث وما يثيره من مشكل مجتمعي كان من قبيل المسلّم به.
ولأن المسألة تتجاوز مجرد الموقف الأخلاقي في مسألة المساواة الشكلية لتصبح قضية متعلقة بالهوية الإسلامية للمجتمع فقد جاءت ردود الأفعال متعددة ومتناقضة في ظل الصمت الرسمي للجهاز الديني الحكومي كما يمثله مفتي الجمهورية فقد نددت جمعيات الأئمة والخطباء والمشتغلين بالشأن الديني بهذا المطلب الذي تقف وراءه جمعيات نسوية وأحزاب لائكية نافذة بعلاقاتها الخارجية وفي أروقة السلطة ولكنها لا تحظى بامتداد جماهيري أو خطاب جذاب يمكن أن يقنع الجمهور بصحة توجهاتها. وإذا كانت لجنة الحريات الفردية والمساواة التابعة لرئاسة الجمهورية قد أجّلت إعلان ما ورد في تقريرها لمرحلة لاحقة فإنها تعرضت بدورها لانتقادات تتعلق بتركيبتها وطبيعة توجهات القائمين عليها وحالة استبعاد ممثلي الجهات الدينية مثل الجامعة الزيتونية عن عضويتها الأمر الذي أفضى إلى إصدار عدد مهم من أساتذة هذه الجامعة بيانا منددا باللجنة ومخرجاتها بوصفها تقصي المختصين في الشريعة الإسلامية من الحوار في موضوع هو أساسا ذو خلفية دينية لا يمكن إنكارها أو نفيها.
ويظل الإشكال الحقيقي متعلقا بمدى صواب طرح مثل هذه القضايا في المرحلة الحالية من الانتقال الديمقراطي بين مؤيد لفكرة أن يتم طرح كل المشكلات المجتمعية مرة واحدة للنقاش العمومي وبين من يعتبر قضايا مثل المساواة في الميراث وقضية منح المرأة إمكانية توريث لقبها لأبنائها أسوة بالرجال إنما هي قضايا مفتعلة وخارجة عن السياق العام فالشارع التونسي الذي تحرك في ثورته ضد الاستبداد وضد التفاوت الجهوي ولحل مشكلات البطالة والفقر لم يكن في يوم من الأيام معنيا بهذه القضايا النسوية النخبوية والتي لا تزيد إلا في توتير الأوضاع فطرح مشكلات مثل هذه في وقت تعاني فيه الدولة من مشكلات المديونية والفساد ويعاني فيه الجمهور من مشكلات الفقر والبطالة هو ترف لا لزوم له بل هو وصفة لمزيد من إثارة نزعات الغلو الديني التي تقتات على تكفير الدولة واعتبارها عدوا للإسلام وخصما للدين. ولأن زمن الاستبداد وعلى الرغم من هيمنته البوليسية المطلقة على الشارع لم يتجرأ على طرح قضايا من هذا القبيل– ربما لتجنب إثارة الرأي- فقد لا يكون من الحكمة بمكان الانزياح بالثورة التونسية من كونها محاولة للتحرر من هيمنة نظام استبدادي والحزب الواحد ليصبح لعبة في يد الجماعات الأقلوية و«النخب» التي استفادت من مواقعها الجديدة ما بعد الثورة لتمرير أجنداتها الثقافية والفكرية رغما عن الوجدان الشعبي العام.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي