كتاب وأراء

صخرة الغياب

شريعةُ النِّفاق الجتماعي لا تَختلف كثيرا عن شريعة الغاب. الفَرق يتجلى فقط في منطق الغلبة. والغلبة إما أن تَكون للأقوى، وإما أن تَكون لِمَن يُجيد اللعِبَ بلسانه تماما كما تُجيد الراقصة اللعِبَ بِخَصْرِها.
لذلك كان مِن الذكاء بالنسبة لِكُتَّاب الغرب أن يَنتبهوا في وقت متقدِّم إلى أهمية العُزلة. لقد اختاروا أن يَنأَوْا بهمومهم الفكرية والإبداعية بعيدا عن مُسْتَنْقَع النفاق الاجتماعي، فلم يَسمحوا له بأن يَستدرِجَ إليه أقدامَهم.
خير لكَ أن تَنأى ما أمكن إن كان الدُّنُوُّ يُصيبُكَ بصدمة في مَن تَتملَّص مِن أن تَعرفهم، لكنك حتما تَعرفُهم وتتمنى لو أنك لا تَعرفُهم.
عالَم مِن الغِشّ والخِداع يُجيدُ «مَكْيَجَةَ» مشاعره الجافة أساسا لِيُمَثِّلَ أمامك دَوْرَ مَن يَستحِقّ أن تَحترمَه مع أن العقلَ والْمَنطِقَ يَقولان إن مِن الكثير عليه أن تَحترمَه.
سِباق ماراثوني يَدفع النَّكِرَةَ إلى التَّنَكُّر في أقنعة الْمُعَرَّف الذي يَعرف أنه لا يَعرف شيئا، لكنه يَتلوَّن كالحرباء ويَدور حول نفسِه كالحلزون لِيُؤَطِّرَ لوحةَ شخصيته كما يُريدكَ أن تَراها لا كما يَليقُ بكَ أن تَراها.
كلما اكتَشَفْتَ زيفَ شخصية أحدِهم ستَشعر بأنه يَتَعَرَّى أمامكَ، يَتعرَّى إلى الدرجة التي تَفشل معها ورقةُ التوت نفسُها في ستر عورة نفسِه الأمَّارة بالزيف، فتُقْسِم أنتَ أن تُرَبِّيَ نَفْسَكَ على أن تُغلِقَ البابَ في وجه كل طارِق جديد حتى تُجَنِّبَها الأذى ولا تَحصد منه المزيد.
سياسةٌ ذاتية فاشلةٌ هِيَ، سياسة تُرَخِّصُهم في عينيك ما أن يَفتحوا صنبورَ النفاق ويَرقصوا رقصةَ الذَّيْل، ولا ذَيل سِوى اللسان الذي يُطلقون هُم العنان لِهَزَّاتِه الْمُكَهْرَبة لُؤْماً.
يَذبًحُكَ مَكْر، مَكرُهم، ويَجرحكَ صَبر، صبرُكَ على قِلَّة حكمة لسانِ الواحد منهم وهو يَخدش بأظفر أنانيتِه قطعةَ كبريائكَ الطرية التي تَنزِف في صمت كما يَنزف الورد.
هل يُلامُ الوردُ لأنه رقيق؟!
هل يُلام الوردُ لأن ضَوْعَهُ يَملأ المكانَ برائحته الزكية؟!
أم هل يُلامُ الوردُ لأن صرختَه لا تَخرج مِن فَمِه، فلذلك تَراه يَصمت، ولا أحد يَفهم أن الوردَ يَحزَن ويَبكي، لكن في صمت؟!
مَشاعرنا أَرَقّ مِن أوراق الورد، وشفَّافة كالندى، وحالِمة كالنسيم، وجَبَّارة في لحظة عِشق، وميَّالة إلى مَن يفقه لُغةَ الورد...
ولأن الوردَ لا يَفهمه سِوى الورد تَرانا نَتُوقُ إلى صخرة الغياب، نَتَوارى خلفها وكُلُّنا رغبة في أن نُداري خوفَنا مِن أن نُجْرَحَ.
نَهرب مِن العالَم المرئي إلى عالَم خَفِيّ نُمارِسُ فيه طقوسَنا الخاصة، في مُصاحَبة الأشجار، وصَيْدِ أحلامِ العصافير، والركض كجدول الماء المتمرد على منطِق القبض عليه.
نافِذَةُ الرُّوح:
«بَيْنَ الأشواق والأشواك سُقوطٌ».
«النومُ على سرير المشاعر الناعِم يُعيدُ التوازُنَ إلى قلبِ الرغبة في الحياة».
«لن ألُومَ الوردَ حين يَغار مِنِّي، فيَقول: عِطرُكِ أَحْلَى».»
«أُنَافِسُ الضوءَ على الهروب، وأنافِسُ الماءَ على الانفلات، وأنافِسُ الصمتَ على الحكمة كقصيدةِ هَذَيان يَكتبُها القلبُ نيابَةً عن العقل في لحظةِ تَأمُّلٍ تَرقص لها شياطين الإلهام».
«ما أقسى أن تَكوني يا حياةُ مضغوطةً تحت خَطّ عُنُق زُجاجة الرغبة!».
«صِلْنِي يا قارب بحر الإحساس بجزيرة اشتهاءاتي قبل أن أَسقطَ في مصيدة رُبَّان سفينة الزمن الحالِف ألاَّ أغرقَ سِوى في مُحيط قسوته».
«حياةٌ ثانية يَعِدُ بها القمرُ الْمُضيء وهو يُهديني وردةً وقَلْبَهُ».

بقلم : سعاد درير

سعاد درير