كتاب وأراء

إن من الحب ما صقل

حِصان الحُبّ يَركض ركضَ المجنون ما أن يَمتطيه عنترة، حِصان الحُبّ يَلتهم المسافاتِ مستسلما لإرادة فارسٍ تَتشتَّتُ أمامَه أبياتُ قصيدةِ حياةٍ بطلتُها عبلة.
صحيح أن مِن الحُبّ ما قَتَلَ، لكن لِمَ لا نقول أيضا إنَّ مِن الحُبّ ما صَقَلَ، ولا غرابة أن يَصقل حُبّ عنترة لعبلة موهبتَه الشعرية التي تَنقاد لها الحروف فتَركع للقلب في معبد الإحساس ركعا.
عن جنون أمواج بحر العواطف يُحدثنا عنترة الواقف عند رصيف الرغبة في الفوز بسيدةٍ تُذِلُّها قيود الحُبّ كما تُذَلُّ الأَمَة، ولا أحد يُساوِمُ كلمتَها في سوق العادات والأعراف القَبَلية التي تَحكم بحَدّ السيف.
العبد بشهامته يَنجح في شدّ انتباه السيدة التي يَليق بها أن يَتنافَس من أجلها الأسياد، كيف لا وهي رَبَّة القلب التي تَعرف مِن أينَ تُؤكَل كَتِفُ المنطق تماما كما يَحصل للحكمة التي يُقْطَع رأسُها وذيلُها كالسمكة في مِقلاة الحُبّ.
في فُرن القلوب ثُلوج الإحساس تَذوب، تَذوب لِتَحفرَ جَدولا ينساب كالماء المتمايِل تَمايلَ خصر يُشَجِّع على سرقة العين والقلب، لكن هيهات أن تَفوز أنتَ بغير السراب واهما أنك قد قبضْتَ على الحُبّ، بينما الحُبّ يُقسِمُ ألاَّ يُفارِقَ صحنَ دارِ قلبِ عنترة.
السيدة الأولى في البيت الأبيض الذي يَسكنه عبد أسود ليست بثانية سوى عبلة الدانية بقطوفها في موسم جني عنب المحبة. البيت الأبيض قَلْبُ عنترة تُشرق فيه شمسُ الحُبّ، والحُبّ يَجري بين ضِفَّتي الممكن والمستحيل بمجرد أن تَصرخ الرغبة في الانعتاق من أَسْرِ النوى ويَشرع لُعابُها يَسيل:
«إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِراقَ فَإِنَّما
زُمَّتْ رِكابُكُمُ بِليلٍ مُظْلِمِ» [معلقة عنترة بن شداد].
في سرير القُلوب الليِّن، كُلُّ صَعْبٍ ترى أنه هَيِّن. وأَضْلُع تَحمل قلبَ صاحبنا عنترة لا شكّ في أنها ستُدَرِّبُه على الرِّقَّة التي يَهيج لها بَحْرُ الرغبة في وَصلِه، مما يُفَسِّرُ تَعلُّقَ فتاتِه ومولاته عبلة به إلى حدود الثورة على القانون الْمُنَظِّم للحُبّ في المجتمعات القبلية التي تَئِدُ كلمةَ الأنثى وتَدفن صوتَها حيّاً.
طاحونة الحرب تَرفع حِصَّةَ أسهم عنترة في بورصة الشهامة وتُتَوِّجُه بوسام الحرية بعد عهد الاستعباد الذي جَرَّعَه الذُّلَّ والهوان مِن يَد الأسياد، فيَنبعث السيِّد النبيل وقد مَزَّقَ عباءةَ العبد الذليل ليُعيد الاعتبار إلى شرف القبيلة:
«يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوقيعةَ أَنَّنِي
أَغْشَى الوَغَى وَأَعِفُّ عِندَ الْمَغْنَمِ» [معلقة عنترة بن شداد].
الشرَف يَتشرَّف بعنترة، والفَرَس ينحني إعجابا بوصف عنترة له، والناقة الْمُدَلَّلة تُضيع الطريقَ إلى مشيتها ذوبانا مِن فرط تَغَزُّل عنترة بها، ولسان الفخر يَنطق بالحكمة في فَمِ التغني بالبطولات والأمجاد.
الفارِسُ العاشِق يَتَضَوَّرُ حُبّاً، لكن لا تَنقصه الثقة بنفسه ولا الشجاعة ولا القوة ليُبارِزَ بالسيف بِقَدْر ما يُبارز ببيته الشِّعري واصفا ومفتَخِراً وراسما خريطةَ الطريق إلى قَلْب معبودته.
باب الفخر يَفتحه الحارث بن حلزة على مصراعيه وهو يُرَتِّبُ ستائر وأفرشة بلاط التاريخ دون أن ينسى أن يَترك نوافذَ بيته الشِّعري مُشرعة على نهر الحكمة.
التاريخ يَجدف بقوة إلى بحر شِعر عمرو بن كلثوم، وإذا بالحضور التاريخي تَمتَصُّه أبياتُه التي تُلقي الضوءَ على الصراع القَبَلي الضارب بجذوره في تربة أيام العرب الذين لا يتحدون إلاّ ضِد ما يَخدم مصالحهم ولا يَعرفون كيف للنفخ في نار غريزة حُبّ البقاء أن يَكون.
لسان الحكمة يَقطر شهدا في معرض الفخر والمسارَعة إلى ترتيب أوراق التجربة التي يَنتصر لها صوت البَيت:
«وَقَدْ عَلِمَ القبائلُ مِن مَعَدٍّ
إذا قُبَبٌ بِأَبْطَحِها بُنِينَا
بِأَنَّا الْمُطْعِمونَ إذا قَدَرْنَا
وَأَنَّا الْمُهْلِكونَ إِذا ابْتُلِينا
وَأَنَّا المانِعونَ لِما أَرَدْنَا
وأَنَّا النازِلونَ بِحَيْثُ شِينَا
وَأَنَّا التَّارِكونَ إذَا سَخِطْنا
وَأَنَّا الآخِذونَ إِذَا رَضينا
وَأَنَّا العاصِمونَ إذا أُطِعْنَا
وَأَنّا العازِمونَ إذا عُصِينا
وَنَشْرَبُ إِذْ وَرَدْنَا الماءَ صَفْواً
وَيَشْرَبُ غَيْرُنا كَدِراً وَطِينَا
مَلَأْنَا البَرَّ حَتَّى ضاقَ عَنَّا
وَماء البَحْرِ نَمْلَؤُهُ سَفينَا
إذَا بَلَغَ الفِطامَ لَنا صَبِيٌّ
تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرُ سَاجِدِينَا» [معلقة عمرو بن كلثوم].
استعراض شامل لما تزامن مع الخلاف الدائر بين بني تغلب وبني بكر يَلتقطه عمرو بن كلثوم مِن عين إبرة بيته الشعري إلى أن يُوَفَّقَ في رسم لوحةِ الْمَشْهَد التاريخي ذاكَ الذي لَن تَجِدَ أَمامَه إلا أن يَنالَ رِضاكَ.
إلى زمن طرفة بن العبد تَأخذنا سفينةُ معلَّقَتِه لِتُسافِرَ بنا في ليل التجربة المرة التي ساقَه إليها قَدَرُه. هذا واحد من الْمُخَيَّرين بين ما تَعرضه لعبة الموت مِن فساتين.
لذلك آثَرَ طرفة المسكين أن يَشرَب نخب نهايتِه حتى الثمالة، لماذا؟! ليُخَدِّرَه الخمر كقطعة المورفين قبل أن يَنغرز خنجر الموت في جسده الأمَّار باشتعال الرغبات الزاهِدة في مفاتن الحياة.
بحكمة الساخر من مَصَّاصِي دماء السلام بائعِي الأحلام يَختزل طرفة بن العبد فلسفتَه تلك التي تَعَلَّمَها في مدرسة الأيام:
«سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ ما كُنْتَ جاهِلاً
وَيَأْتِيكَ بالأخبارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
وَيَأْتِيكَ بالأخبارِ مَن لَمْ تَبِعْ لَهُ
بَتاتاً وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ وَقْتَ مَوْعِدِ» [معلقة طرفة بن العبد].
أما في مُعَلَّقة لبيد، فالوصف يَظَلُّ بَيْتَ القصيد. الوصفُ ناقة عربية تَعبر بِكَ قفارَ الصحراء المنفية بعيدا عن دائرة الضوء التي يَطيبُ للنفس أن تتخذ منها مُتَّكَأً يُغْرِي بجلسة شاي في غير زمن الكؤوس المترنحة والطيران تحت ضغط صهيل الروح بلا أجنحة.
بين لبيد وحبيبته نَوار تَكْتُبُ قِصَّتَها الأقدارُ. لبيد يَتغزل ويُعيد، والشوق مرآةٌ يَرى فيها العاشق جمالَ المعبودة، الشوقُ بوصلةٌ يَختبرُ فيها الْمُحِبُّون قوةَ تحديد اتجاه تَغريد عصفور القلب المسجون خلف قضبان البعد والنوى:
«بل ما تَذكّرُ من نَوارَ وقد نَأَتْ
وتَقَطَّعَتْ أسبابُها ورِمامُها» [معلقة لبيد].
وما الرِّمام سوى حبال الوصل كما يَصفها الزوزني شارحا أبيات الْمُعَلَّقات. هكذا يُناجِي لبيد نفسَه التوَّاقة إلى المزيد من كأس الذكرى الرافضة أن تُرَطِّبَ حَلْقَ الماضي الممتد بين كُحلِ عَيْنَي مَن يَهواها وقصيدةِ حياة، حياة صغيرة، رأى لبيد مِن غير الحكمة أن يُخْطِئَ ويَنساها:
«أَوَلَمْ تَكُنْ تَدْرِي نَوَارُ بِأَنَّنِي
وَصَّالُ عَقْدِ حَبائِلٍ جَذَّامُها» [معلقة لبيد].
ومن غير الحكمة ألاَّ يَضربَ لبيد في معلقته موعدا مع الحكمة هو الميَّال إلى أن يُداعِبَ شَعْرَ الأبيات بعُصارة تجربته في الحياة:
«فَاقْنَعْ بِما قَسَمَ الْمَليكُ فَإِنَّما
قَسَمَ الخَلائقَ بَينَنا عَلاَّمُها
وَإِذا الأمانةُ قُسِّمَتْ فِي مَعشَرٍ
أَوْفَى بِأَوْفَرِ حَظِّنَا قَسَّمُها
فَبَنَى لَنَا بَيْتاً رَفِيعاً سَمْكُهُ
فَسَمَا إليهِ كَهْلُها وغُلامُها
وَهُمُ السُّعاةُ إذا العَشيرَةُ أُفْظِعَتْ
وَهُمُ فَوَارِسُها وَهُمْ حُكَّامُها» [معلقة لبيد].
الوصف يتفوق على الموصوف ويَمضي خارج سياج المألوف عند مَن لم يَتَفَرَّغُوا للملمة هواجس النَّفْس ومطارَدَة الخاطر.
تَصوير بَديع لَم يَغِبْ عن لبيد ولا عن زملائه أن يُثَمِّنوه في مُعَلَّقاتهم هُمُ الذين ألبَسُوا الكعبةَ تاجَ العروس، وبَنَوْا بتأملاتهم ورؤاهم الشِّعرية مدرسةً قلّ نظير ما تُعَلِّمُه مِن عِبَر ودُروس.
الْمُعَلِّقون على حائط الكعبة ماتُوا، لكن متى؟! بَعد أن أَحْيَوْا طقوسَ العالِمين بفنيات النظم الشِّعري على طريقة الكبار في امبراطورية الإحساس.
بين السهل والْمُمْتَنِع تَأَمَّل أنتَ واسْتَمِعْ إلى تموجات الْمَوْسَقَة الشِّعرية التي تَطرب لها النفْسُ الذَّوَّاقة لحديث النَّفْس وأكثر، وأَبْحِرْ يا أنتَ، أَبْحِرْ كما تَشاءُ في عيون الحَرف، الحرف ذاك كلما رَمَقْتَهُ بنظرة تَأمُّلٍ ذاب، وبالْمِثل ذابَتْ معه رغباتُك في غير أن تُعانِقَهُ وقد أَسْكَرَكَ الإعجاب، فلا تَدري أيّكما يُعانِقُ الآخَرَ:
أهو الحَرف الراقص رقصةَ العسل قُدَّامَكَ أنتَ النحلة الشقية؟!
أم هو أنتَ المتمَدِّد كمُكَعَّب زُبدة تحت سقف فُرن الرغبة في عسل الحَرف؟!

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير