كتاب وأراء

عـبـقـرية لـم تـتـكـرر

قد تقولون إنني كلاسيكي تقليدي، ولذلك أنحاز دائماً إلى القديم والقدماء، مع أن سنة الحياة التطور، ولكن يجب أن يكون إلى الأمام، وكل تطور لا يستوعب الماضي والحاضر ويتخطاهما، لاقيمة له، بل هو قفزة في الفراغ، أو تطور معكوس. ولذلك لا تهمني الأجيال الجديدة من المغنين والمغنيات، والذين يسلقون الألحان و«يسرقونها» والذين يكتبون كلاماً ليلحن ويغنى، ويجب أن يصادر ويعاقب كاتبه.
لم يفاجئني مطلقاً أن ذكرى ميلاد فنان الشعب العظيم سيد درويش مرّت دون أي اهتمام (ولد في 17/3/1892 وتوفي في 10/9/1923) ولو أننا سألنا أبناء الأجيال الجديدة لكانت إجابة 100% منهم بأنهم لم يسمعوا به، ونقول لهم: وماذا عن «زوروني كل سنة مرة» وموشح «يا شادي الألحان» ودور «أنا هويت وانتهيت»، ونقول للمصريين خاصة: وماذا عن نشيدكم الوطني «بلادي بلادي» ألا تعلمون أنه من ألحانه وغنائه؟ (أخذ مطلعه من خطاب للزعيم الوطني مصطفى كامل).
لم يعش إلا 31 عاماً، وفي هذه الحياة القصيرة بلغ إنتاجه من القوالب المختلفة العشرات من الأدوار، وأربعين موشحاً، ومائة طقطوقة، و30 مسرحية وأوبريت. وحتى في «الطقاطيق» كان مبدعاً و«يحترم» الناس، قارنوا زوروني كل سنة، مع طقاطيق هذه الأيام، وآخرها «بص أمك».
خرج سيد درويش من صفوف الشعب، وعمل بنّاءاً، ولذلك ظل ملتصقاً بالشعب، ولحن وغنى للطبقات المسحوقة، الذين لم يكن أحد يلتفت إليهم. لقد كان هدف الموسيقى قبل سيد درويش الطرب فقط، ولكنه جعل منها رسالة أكبر، وهي استخدام هذا الفن العظيم في الجهاد الوطني والإصلاح الاجتماعي، استطاع أن يدرك ويلمس سائر الأمراض الاجتماعية وأن يسهم في الميدان الوطني إسهاماً كبيراً، فكانت أغانيه الوطنية يغنيها الشعب بكل حواسه وقلبه ومشاعره، وتذكرون أنه تحدى الإنجليز الذين منعوا ذكر سعد زغلول، فألف ولحن وغنى «يا بلح زغلولي» ورددها الشعب، بالإضافة إلى التطريب في الموسيقى والغناء العربي.
ثمة أمران مهمان يجب ذكرهما، الأول أن سيد درويش قام برحلتين إلى الشام، وهناك تعلم الكثير ولا سيما من شيوخ الطرب في حلب، والثاني أن الشائع أنه مات بسبب المخدرات، مع أنه كان قد أقلع عنها، بتأكيد رسالة بخط يده، ومذكرات رفيق عمره بديع خيري، وهذا يرجح أن سبب الوفاة هو تسمم مدبر من الانجليز أو الملك فؤاد بسبب أغانيه التي تحث الشعب على الثورة.
لم يتابع أحد مسيرة سيد درويش، انتهت الأدوار، وندرت الموشحات، وانتهى عصر الأوبريت، ولم يعد أحد يغني للشعب، وانحطت كلمات الأغاني وألحانها، حتى دون ما كان سائداً زمن منيرة المهدية.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين