كتاب وأراء

قضايا ومعوقات تجديد الخطاب الديني (6)

الممانعة المجتمعية
ذكرت في المقال السابق، أن من أكبر معوقات تجديد الخطاب الديني، هو الممانعة الفكرية والسياسية، التي قادتها طائفة من الكتاب والباحثين والمفكرين والمشايخ الإسلاميين، وأنتجت ممانعة مجتمعية للتجديد، وهما فريقان متناقضان: فريق من الإسلاميين الحركيين والمستقلين، يعارضون التجديد، لسبب سياسي، نكاية في أميركا والغرب، وفريق من السلفية، يرون في دعوة التجديد، حق يراد به باطل، يدندن بها العلمانيون، والمفكرون من الإخوان، بهدف الكسب الجماهيري، عبر التظاهر بالتسامح الديني مع الجميع والبراءة من الغلو.
يقول الشيخ الفوزان: الخطاب الديني هو الخطاب الذي جاء في الكتاب والسنة من تسمية الناس بأسمائهم، الكافر يسمى كافراً، فإن أريد بتجديد الخطاب، تغيير تسمية الناس بأسمائهم، فلا نقول هذا كافر، بل هو غير مسلم، فهذا من تحريف الكلم، استرضاء للكفار ومداهنة في دين الله عز وجل، ويضيف المشايخ: آل الشيخ، واللحيدان، والغامدي، إن أريد بتجديد الخطاب، تجديد الوسائل وأساليب الدعوة، فلا حرج، وهذا هو المقصود من حديث أن الله تعالى يبعث للأمة من يجدد دينها، فالوسائل والأساليب تتغير بتغير الزمان والمكان والمخاطبين، وإن قصدوا المنهج والمضمون، فهذا لا يجوز، لأن الدعوة لا تتغير، والمضامين ثابتة، ليس لأحد أن يغير فيها، واذكر أنه في عام 1967، اقترح الأستاذ عبدالبديع صقر، الذي كان قد قدم إلى قطر 1954، وعمل مديراً للمعارف مع الوجيه الشيخ قاسم درويش، رحمه المولى تعالى، ومديراً لدار الكتب القطرية، ومستشاراً ثقافياً لحاكم قطر في ذلك الوقت، مشروع كتاب موجز ومبسط، بالتعريف بالإسلام، بصورة عصرية وعلمية مناسبة، يقدم لمن يريد معرفة الإسلام، فتصدى له، فضيلة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، رئيس المحاكم الشرعية، رحمه الله تعالى، وألف كتيباً سماه، النقد البديع لأغلاط عبدالبديع، وقبر المشروع، حتى توفي رحمه المولى تعالى، في مصر 1986، ويتصل بموضوع الممانعة المجتمعية، أنه في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر2001، أجرى معي، الصحفي المتميز أنور الخطيب، حواراً مثيراً ومطولاً، نشرته الراية القطرية، 6 يناير2002، وكان من ضمن الأسئلة الموجهة: دعوت لإعادة النظر في مناهج التعليم في العالم العربي، هذه الدعوة ترافقت مع الدعوات الأميركية بعد أحداث سبتمبر الماضي لإعادة النظر في المناهج الإسلامية، هل كان ذلك مصادفة؟ وكان جوابي: أنا من المهتمين بإعادة النظر في المناهج الإسلامية وإزالة ما بها من أي بذور تورث الكراهية والنفور والتعصب ضد الآخرين: ضد المرأة، ضد المختلف معنا في الدين أو المذهب السياسي أو المذهب الديني الخ… وما كان لمثل هذا السؤال وتلك الإجابة، أن يثيرا جدلاً إعلاميا طويلاً، ولكن لان الأجواء كانت مشحونة ضد السياسة الأميركية في أفغانستان، من ناحية، ولأن بعض إجاباتي كانت مؤيدة لما قامت به أميركا ضد القاعدة في أفغانستان، من ناحية ثانية، ولأن العنوان الرئيسي للحوار: أؤيد الدعوة الأميركية لإعادة النظر في مناهجنا التعليمية- والدينية خاصة- من ناحية ثالثة، فقد واجهت سلسلة من الردود الرافضة والمستنكرة، بطبيعة الحال، هناك ردود مؤيدة، لكن الأكثرية كانت رافضة، وهناك من استعدى السلطة ضدي، وتجاهل المستاؤون، أن دعوتي للتجديد، لا علاقة لها بالدعوة الأميركية، وهي سابقة عليها، بل قديمة منذ الثمانينات أكتب مطالباً بتجديد الخطاب وتطوير التعليم العام والديني، كما فاتهم قولي: وجهودي في هذا المجال جزئية صغيرة ضمن جهود المصلحين قبلي: الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد الغزالي، والذين نادوا بتنقية مناهج التعليم والتراث من العوامل التي تزرع الفرقة والكراهية بين أبناء الأمة الواحدة، وغاب عنهم تأكيدي عدم معرفتي بمضمون الطلب الأميركي- وأضيف اليوم، أنني لم أَجِد طلباً رسمياً من الإدارة الأميركية لحكوماتنا بذلك، وربما يكون تصريحات لكتاب ومحللين وسياسيين في الإعلام الأميركي- ولكن لأن الأكثرية لم تقرأ إلا العناوين البارزة في الحوار، كانت هذه الإثارة الإعلامية التي امتدت شهراً.
ختاماً: ما أردت توضيحه، أن هناك ممانعة مجتمعية قوية أمام دعوات التجديد والتغيير والإصلاح، ينبغي عدم التهوين من شأنها، وما لم تساندها السلطة السياسية، فإنها لن تحقق أهدافها.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري