كتاب وأراء

قدرات رؤساء أميركا قوة وضعفا

قد يكون هناك رؤساء لأميركا، ليست لديهم معرفة كافية – وربما تكون منعدمة – بإدارة السياسة الخارجية، لكنهم عوضوا هذا النقص، بالاختيار الدقيق لمعاونين ومستشارين، لديهم الخبرة وعمق النظرة والمعرفة بهذا المجال، وتتاح لهم الفرصة لتحقيق إنجازات تنسب للرئيس في النهاية.
وهذا أمر افتقدته إدارة الرئيس ترامب، الذي نأى بنفسه عن أصحاب الخبرة والتخصص في شؤون السياسة الخارجية، والعارفين بما يجرى في العالم، وقضاياه وأزماته، واستبدلهم بفريق من خارج هذه الدائرة، ممن ليس لهم سابق خبرة بالسياسة الخارجية، وأكثريتهم رجال أعمال، وعدد من الجنرالات السابقين.
وتلك من المشاكل التي أفرزت هذا الانقسام الحالي في الولايات المتحدة، فضلا عن موجات التشكيك في قدرات ترامب نفسه على أداء مهام الرئاسة. حتى أن من ينتقدونه يذكرون أنه يستلهم أفكاره من طرق التفكير السائدة في مجال الأعمال، وأنه يضع في غرفته أربعة أجهزة تليفزيون، يتلقى منها معلومات عن الأمور في الدولة، سواء كانت متفقة معه أو رافضة له، فضلا عن رسائله المتواصلة طوال اليوم عن طريق الإنترنت.
وفي مجال المقارنة بمن سبقوه من الرؤساء، يتخذ ايزنهاور نموذجا في هذه النقطة بعينها، والذي جاءت رئاسته مع فترة انتشار الإرسال التليفزيوني، وقتها نصحه مستشاروه باستخدام التليفزيون في توجيه رسائل للشعب الأميركي، وكان يرد عليهم بقوله: يمكنني أن أفكر في شيء أكثر جلبا لملل الرأي العام الأميركي، عن أن يجدونى أجلس داخل غرف معيشتهم لمدة نصف ساعة كاملة، وهم ينظرون إلى وجهى على شاشات التليفزيون.
كان ايزنهاور على معرفة عميقة بالسياسة الخارجية، لكنه استعان بوزير خارجيته هو جون فوستر دالاس، الذي يعد خبيرا له ثقله في مجالات السياسات الخارجية.
وهو نفس ما فعله ريتشارد نيكسون الذي يعد في نظر الأميركيين من أبرز الخبراء في السياسة الخارجية، حيث استعان بهنري كيسنجر كمستشار للأمن القومي، ووزير للخارجية.
وكان كيسنجر يتمتع بسمعة قوية لدى الأجهزة المختصة بالسياسة الخارجية، منذ كان في شبابه المبكر مدرسا بجامعة هارفارد.
نفس الشيء ينطبق على رؤساء آخرين منهم – على سبيل المثال – جورج بوش الأب، الذي كان يتمتع بخبرات متنوعة، منذ تقلده مناصب مهمة كسفير في الصين،، ومدير لوكالة المخابرات المركزية، ومندوب في الأمم المتحدة، ونائبا للرئيس ريجان، لكن حين فاز بالرئاسة، جذب إلى إدارته في البيت الأبيض اثنين من أبرز العارفين بشؤون العالم وقضاياه، وهما برنتا سكوكروفت مستشارا للأمن القومي، وجيمس بيكر وزيرا للخارجية.
وعلى النقيض من هؤلاء، كان هاري ترومان، والذي عرف بنقص خبرته بالشؤون الخارجية، ومع ذلك فقد تحققت في رئاسته إنجازات مهمة في مجال السياسة الخارجية، لأنه أحاط نفسه بالقادرين على ذلك، من أهمهم دين أتشيسون الذي لعب الدور الأهم في بناء الإطار العملي لاستراتيجية الاحتواء، التي ابتدعها الدبلوماسي جورج كينان، والتي قامت عليها استراتيجية السياسة الخارجية، التي استمرت لأكثر من خمسين عاما.
.. وأتشيسون لعب الدور المحوري في إنشاء كثير من المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وكذلك جورج مارشال الذي نفذ وهو وزير للخارجية مشروع مارشال الشهير لإنعاش أوروبا بعد ما تعرضت له من دمار أثناء الحرب العالمية الثانية.
ويعزز عمل هؤلاء مجلس الأمن القومي، الذي يوجد بجوار الرئيس في البيت الأبيض، والذي يضم الرئيس، ونائبه، ومستشاره للأمن القومي، ووزيري الخارجية والدفاع، وعدد من الوزراء المختصين الذين يحددهم الرئيس وفقا لاتصالهم بالموضوع محل المناقشة في المجلس. وهؤلاء يستعينون بقوة ضاربة من الخبراء المتفرغين مهمتهم التحليل وتقديم المقترحات.
ولقد قيل عن ترامب أنه ليس لديه جلد على مثل هذه اللقاءات، والمناقشات المطولة، وهو ما أوجد ثغرات في إدارته للسياسة الخارجية، ومن أبرزها استماعه إلى الدائرة الضيقة من عائلته، في أمور تحتاج حنكة وموضوعية، وبالتحديد ابنته ايفانكا وزوجها جاريد كوشنر، وهو أصلا رجل أعمال، فضلا عن علاقته الخاصة بإسرائيل، وتعاطفه مع سياسات نتانياهو، وأيضا نفوذ نائبه مايك بنس بما له من توجه عقائدي صارم لا يخرج عن حدوده في الموافقة لإسرائيل على كل ما تطمح فيه.

بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري