كتاب وأراء

كثيرا ما نقرأ

نقرأ أو نسمع في الأخبار «ونزلت جماهير غفيرة إلى الشوارع تأييداً للقرار» ولعله يكون «ونزل عشرات الآلاف من الجماهير الغاضبة استنكاراً لما فعلته الحكومة» وعندما تنشب أعمال شغب (بفتح الغين وسكونها) قد نقرأ «ونزل الجيش إلى الميادين والساحات لحفظ الأمن والاستقرار» وفي بلاد الشام يقول العامة «نازل ع المْدينة» وقد تكون ع الشام أو غيرها، ولعل أصل هذا التعبير أن القرى كانت تبنى في البقاع المرتفعة هرباً من السيول، وهذه كلها ومثيلاتها مصطلحات حديثة، فمن أين أتت؟
النُّزول: ضد الصعود، ونزل: عكس صعد، والنزول: الحلول، وقد نزلَهم ونَزل عليهم ونزل بهم يَنزل نُزولاً ومَنزَلاً. والنُّزُل: المَنْزل، وبذلك فسر قوله تعالى: وجعلنا جهنم للكافرين نُزُلاً، والنزل قديماً تعني الفندق، وما زال أهل المغرب العربي يستعملون هذه الكلمة بهذا المعنى. وما زلنا نستخدم كلمة «النَّزِيلُ» وتعني في الأصل: الضيف.
فهل يكون اشتقاق الأمثلة التي أتينا بها في البداية من الحلول، أي نزل في المكان إذا أقام فيه؟ أم هو من الانحدار، فكأن الجماهير نزلت إلى الشوارع كما ينحدر السيل؟
كثيراً ما نقرأ أو نسمع – ولاسيما في الأخبار– قولهم «واتفق الفرقاء على استمرار المباحثات»، وقد قرأتها أحياناً «أفرقاء» فمن أين جاءت الكلمتان؟
لم يرد أي من الجمعين في المعاجم القديمة، ولكن الثاني «فرقاء» ورد في المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة فقال: الفريق: الطائفة من الناس أكبر من الفرقة، مع أن لسان العرب يقول «الفريق والفِرْق والفرقة بمعنى واحد» ويقول المعجم الوسيط: والجمع فرقاء وأفرقة. وفي المعاجم القديمة «أفاريق» وهو جمع أفراق، والأفراق جمع فِرْق، وذكرنا قبل قليل أنه بمعنى الفريق.
نقبل الجمع «فرقاء» المحدث للتعبير عن جماعات من الناس، مع أننا نستطيع القول «فِرَق» أما الجمع الثاني «أفرقاء» فلا أصل للكلمة، ولا يمكن قبولها.
قرأت لناقد فني مشهور «وأوغر في صدر.... ضده» وتلاحظون في الجملة ركاكة، لاسيما باستخدام كلمة «ضد» وقد شرحناها سابقاً، وقلنا إنها اسم، والخطأ أنهم يوردونها على أنها «ظرف» والخطأ الثاني أنه قال «أوغر في صدره» وفعل أوغر يتعدى بنفسه وليس بحرف الجر، فمن أين جاء هذا الفعل؟ وما معناه؟
الوغْرة: شدة توقد الحر، ووغرَت الهاجرة وغْراً: رمِضت واشتد حرّها. والوغـْرُ:الحقد والعداوة والغِلّ والتوقّد من الغيظ، فكأنه يحترق من شدة الغيظ، و«أوغر» صدر فلان: أحماه من الغيظ، وهو واغر الصدر عليّ، وفي الحديث: الهدية تُذهب وغـَر الصدر، أي تطفئ غِلـّه وحرارته، وأوغر الماء: سخّنه.
لم يعد أحد يصف «الخطبة» بأنها عصماء، ولكننا نقرأ في كتب الأدب والتاريخ «وألقى خطبة عصماء» وقد نقرأ «وألقى قصيدة عصماء»، فمن أين جاء هذا الوصف؟
نعرف الفعل «عصم» ومنه «اعتصم» قال سبحانه «واعتصموا بحبل الـلـه جميعاً ولا تفرّقوا» وكثيراً ما نقرأ ونسمع في لغة الأخبار كلمة «اعتصام» وقد أخذت معنى سياسياً جديداً. والعصمة: المنع، ونسمع أو نقرأ «واشترطت أن تكون العصمة في يدها» وعصمه يعصِمه عصْماً: منعه ووقاه، قال ابن نوح «سآوي إلى جبل يعصمني من الماء» قال تعالى «لا عاصم اليوم من أمر الـلـه إلا من رحم» واسم الفاعل هنا «عاصم» بمعنى اسم المفعول «معصوم». لكن الوصف «عصماء» لا علاقة له بكل هذا.
يقول العرب: ظبيٌ أو وعْلٌ أعصم، والأنثى عصماء، قالوا والأعصم من الظباء والوعول الذي يكون في ذراعه بياض، ومن المعز: بيضاء اليد أو اليدين وسائرها أسود أو أحمر، ويقال: غراب أعصم، وتكون في أحد جناحيه ريشة بيضاء، وقيل: هو الذي إحدى رجليه بيضاء، وقيل هو الأبيض، والغراب عادة أسود، بل يُضرب المثل بسواده، وقد ضرب رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسلم الغراب الأعصم مثلاً فقال: المرأة الصالحة كالغراب الأعصم، وذكر النساء المختالات المتبرجات، فقال: لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم، أراد قلة من يدخل الجنة منهن.
من هذا نستنتج أن وصف الخطبة أو القصيدة بأنها «عصماء» لا علاقة له بالعصمة وعصم واعتصم واستعصم والاعتصام، إنما هو للتعبير عن عظيم قيمتها، وأنها بين الخطب (أو القصائد) كالأعصم بين الغربان، أو كالظبية «العصماء» بين الظباء.
كان حديثاً بين مجموعة من الأصحاب عن التحقيق المُزلزِل الذي قدمته قناة الجزيرة «ما خفي أعظم» وهذا قول عربي قديم شائع، يحسبه كثيرون مثلاً من الأمثال، وهاتفني صديق من تلك المجموعة ليسألني «ما خـَفي، أم ما خُفي، أيها أصح؟ لأن أحد الموجودين «أفتى» بأنها ما خفي بضم الفاء، وحجته في ذلك أنه مبني للمجهول، قلت للصديق: ليست المسألة أيهما أصح، بل أيهما صحيح وأيهما خطأ، قل لذلك المتحذلق عن لساني: لا وجود لقوله «ما خُفي» في أي من معاجم اللغة، ولا عند أحد ممن يُعتـَد بكلامهم.
خفي الشيءُ خفاءً فهو خافٍ وخفيّ: لم يظهر، لكننا نقول: خفا الشيءَ وأخفاه أي ستره وكتمه، وهذا الفعل من أفعال الأضداد، فنقول: خفى الشيءَ خفـْياً: أظهره واستخرجه، وقرئ قوله تعالى في سورة طه «إن الساعة آتية أكاد أخفيها» بفتح الهمزة وضمها، فمن قرؤوها بضم الهمزة قالوا إن المعنى أكاد أسترها، ومن قرؤوا بفتح الهمزة قالوا إن المعنى أكاد أظهرها، وشيء خفيّ: خاف أي مستتر غير ظاهر، وخـَفيَ عليه الأمرُ خفاءاً، ومن الطرائف الدقة في التعامل مع هذا الفعل أننا نقول: أخفيت الصوت أخفيه إخفاءاً، وهذا فعل متعدٍّ، أما الفعل اللازم منه فهو «اختفى» وهذا فعل شائع حتى الآن، لكن بعض علماء اللغة قالوا إن فعل «اختفى» بمعنى خفي لغة ليست بالعالية، ولم ينكروها، لكنهم قالوا إن الأصح «استخفى» وهنا أيضاً يصير الفعل من أفعال الأضداد، لأننا نقول: اختفى الشيءُ إذا استتر، أي ضد ظهر، ونقول: اختفى الشيءَ: أي خفاه. وفي هذا الباب تفصيلات كثيرة قد نعود إليها.
يصر المتعصبون لسيبويه أننا لا يجوز لنا القول «أكثر من مرة» لأن «أكثر» لا تأتي إلا مع اثنين أو أكثر، وأذكر أن كاتباً صحفياً من أشهر الكتاب الصحفيين يحرص دائماً على القول «غير مرة» ولا أدعي أن لي من العلم ما كان لدى «سيبويه» ولكنني بحثت في أمهات الكتب، فوجدت عشرات المؤلفين استخدموا «أكثر» مع الواحد، فنقول: زرت مصر أكثر من مرة، فهل نحن أفصح من هؤلاء؟
قد نقرأ «تمخضت عن المؤتمر قرارات مهمة» وهذا الكلام خطأ، لأن الذي «تمخّض» هو المؤتمر، تشبيهاً بمخاض المرأة وهو وجع الولادة، وتذكرون القول الحكمة «تمخض الجبل فولد فأراً».
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين