كتاب وأراء

عملاق التواصل الاجتماعي في قفص الاتهام.. الخطأ والخطيئة


منذ الانتشار الكاسح لمنصات التواصل الاجتماعي وهي تتعرض لانتقادات عديدة تتعلق بأن مستخدميها كثيرا ما يسيئون استعمالها، وبالمقابل لم تتوقف المحاولات لضبط التعامل بها لمنع انتهاك الخصوصية. ولكن أن يقع عملاقها «فيسبوك» في نفس الخطأ، ويضبط متلبسا فتلك طامة كبرى وصفتها وسائل الإعلام بالفضيحة!.
والقصة كما تابعها الرأي العام على مستوى العالم تتلخص في أن الشركة العملاقة سمحت بتسليم البيانات الشخصية الموجودة على حسابات عشرات الملايين من المستخدمين للموقع، لشركة استشارات بريطانية، لجأت إليها حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمساعدتها على كسب المعركة الانتخابية. وقادت جدية التحقيقات والإصرار عليها من جانب المعنيين بالقضية من الأميركيين، إلى فتح ملف الشركة، وهي شركة «كامبريدج أناليتكا» البريطانية. وقد تمكن باحث روسي يعمل في الشركة هو الكسندر كوجان من ابتكار تطبيق معين حصد من خلاله على كم هائل من البيانات الشخصية لنحو 50 مليون مستخدم لموقع الفيسبوك، مستغلا ثغرة في نظام الموقع!. وبناء على هذا العمل تم تطوير برنامج من حملة ترامب يتيح توقع تصويت الناخبين والتأثير عليه في الانتخابات من خلال رسائل.
عند تلك اللحظة انفجر بركان في وجه عملاق التواصل الاجتماعي «فيسبوك» لم يكن يتوقعه يوما. هوت أسهم الشركة العملاقة في البورصة، وقيل ان الخسائر في الأيام الأولى للحدث وصلت إلى نحو 50 مليار دولار.
وفي ذكر ما جرى أشار البعض إلى أن خطأ فادحا كهذا له جوانبه القانونية بمعنى أن الشركة العملاقة ربما تكون قد انتهكت المرسوم الذي يحكم عمل الموقع وتحديدا القواعد الصارمة التي تضمن الحفاظ على سرية البيانات الشخصية. وقال البعض الآخر ان المسألة هوت بمصداقية الموقع الشهير. خاصة أن الموقع كان على علم بالثغرة التي تم استغلالها، ولم يبلغ الموقع أحدا.
اللاأخلاقية في المسألة أن البيانات الشخصية لها حصانة، لأنها تتعلق بما يمكن أن يندرج تحت عنوان الأسرار المؤثرة في حياة صاحبها وإفشاؤها يعرضه لأخطار معنوية أو مادية، وكذلك بالخداع أو التواطؤ في عملية بيع هذه المعلومات. هكذا اضطر مؤسس الموقع إلى الاعتراف بالخطأ والإعراب عن أسفه، والتعهد بألا يتكرر. الدلالات السياسية للواقعة لا تقل أهمية من حيث انها وثيقة الصلة بعملية استخدام المعلومات، لتحقيق أهداف سياسية تتصل أساسا بصياغة الرأي العام وتشكيل الاتجاهات.
ولاشك أن التعرف على آراء وتوجهات الرأي العام قضية مشروعة تماما لأنها تساعد في بناء السياسات العامة، ولكن الوسائل المعتادة والدقيقة معروفة للكافة، مثل اللجوء إلى استطلاعات الرأي العام والمسوح الاجتماعية التي تقوم بها مراكز أبحاث أكاديمية. وأما اللجوء إلى وسائل مثل التصنت أو الحصول على المعلومات بطريق خفي، فتلك فضيحة أخلاقية وسياسية بامتياز.
والمعنى هنا هو أن النتائج التي يمكن تحقيقها عبر هذا الخداع ما هي إلا نتائج زائفة في حقيقة الأمر. وعندما يصل هذا الاعتقاد إلى الناس فإنهم يتجهون إلى العزوف عن المشاركة السياسية، كما يفقدون الثقة في المؤسسات القائمة ويميلون إلى الانصياع إلى الشخصيات القيادية الشعبوية. كما يعزز توجهات الأنظمة التي قررت أن تضع قيودا صارمة للغاية على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن جهة أخرى فإنه طالما أن الأمر بهذه اللامبالاة بضوابط الحفاظ على البيانات الشخصية، يصبح من السهل تفهم كيف أن التنظيمات الإرهابية استطاعت أن تغزو هذا الفضاء الرقمي وتنجح في تجنيد عناصرها من خلاله.
لقد انتفض الأميركيون ضد ما حدث، ولا شك أنهم عاقبوا الشركة العملاقة. ولكن ليس من المستبعد أن المشكلة ذاتها تكررت وتتكرر خارج الولايات المتحدة، وكل معنى بالتغلب عليها بطريقته، وما المعارك الخفية الدائرة بين القوى الكبرى التي تتسابق في استخدام الإمكانيات الهائلة التي أتاحها الفضاء الرقمي، إلا صورة أخرى لما جرى مع عملاق التواصل الاجتماعي، وليس من منقذ في ظل هذا الانفلات سوى التحصن بالمؤسسات الشرعية القائمة والعمل الدؤوب لتفعيل دورها حتى لا تكون منصات التواصل بديلا عنها، وتوفير المناعة الوطنية الذاتية التي تصد أية غزوات مرضية من هذا النوع.
بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد