كتاب وأراء

بوابة الأربعين.. شيء من ذكريات رمضان!

لم أبلغ من العمر عتيّا كي أسرد ذكريات رمضانية لم يألفها القارئ الكريم، في المقابل لا أنفي أن «لون الوقار» بدأ يداعب المتبقي من شعر رأسي، فأنا مازلت يافعاً رغم أن أضواء بوابة الأربعين تلوح غير بعيدة من رحلة عمري، ما يجعلني أعود للذكريات– التي قد لا يراها جيل 17 جديدة– هي مروري بتحولات اجتماعية من الصوم بالبادية إلى القرية، ومن ثم عاصرت رمضان طاش والآيباد، وعندما أقول «البادية» فإني أعني حياة الترحال الحقيقية، والتنقل وراء «العشب والكلأ» ورعي «البهم» كمرحلة أُولى قبل أن تكون مؤهلاً للترقي لنيل شرف «رعي الغنم» ليستغني الوالد عمن استأجره للقيام بالمهمة وإحلال الابن بالعمل كـ«عَويَلة» لأعمال العائلة قبل ابتكار مفردة «توطين»، وعندما كان لا يوجد سوى لون الحياة الهادئة البسيطة التي لا تعرف صِيغ التورية والمجاز.
لا أذكر تحديداً أول يوم صمتُ فيه، فقد كان البدو أكثر تسامحاً فلا يطلبون من أبنائهم الصوم أو يحرّضونهم على ذلك وهم أطفال، بل كانوا شفقة بنا ورأفة من صعوبة الصوم في طبيعة لا ترحم.
كانوا يحرضوننا- ونحن أطفال- على أن يقتصر صومنا على طريقة «صوم العصافير» وتعني الصوم فقط عن «الوجبات» الرئيسية، مع جواز شرب الماء وأكل شيء خفيف، والخفيف هُنا لا يعني شيئاً مشابهاً «للتصبيرة» المتوافرة الآن، بل تعني أن تجد «تمراً» غير مخبأ، وإن وجدت معه شيئاً من «الإقط» فستكون بالتأكيد محظوظاً، ورغم «السماح» بذلك كنا نحرص على ممارسة حياة العصافير هذه خفية، قبل أن نجفف «براطمنا»– لم تكن كلمة شفاه متداولة ذلك الزمن- ونعود للآباء والأمهات ونحن نفتعل التعب والإرهاق والعطش مثلهم، فيما هم يقابلون شيطنتنا تلك بابتسامة حانية يسرقونها بغفلةٍ من شظف الحياة وهم منهكون بعملهم الذي لا يغيّره رمضان، فالحياة كلها تبدأ مع أذان الفجر، ويعلن غروب الشمس عن التوقف، إذ يجتمع الجميع للإفطار، ومن ثم السهر حتى صلاة العشاء، ليتوجه كل من أفراد العائلة إلى سريره، الأصح إلى شيء يرتمي عليه الشخص يُسمّى- مجازاً- فِراشاً، ولا أذكر أننا نعرف «فرشنا»، فالوالدة- أطال الله عمرها- تضع الفرش متلاصقة، يحدد مكانك رغبتك في أي الأشقاء تُريد أن تفشي له سراً، أو تشي بأحدهم للأكبر منه، وبالطبع كان المكان واحداً– ما يُشبه غُرفة واحدة الآن- فقط يختلف المكان، فإن كان الجو باردا يكون المبيت داخل بيت الشَعر، وإن كانت الأجواء ملتهبة فأمام بيت الشعر وتحديداً بين «الأطناب»..
وفي الأسبوع القادم نكمل..
بقلم : فهيد العديم

فهيد العديم