كتاب وأراء

يوم في حياة مهاجر

تحذّر هيئة الأرصاد الجوية من عاصفةٍ ثلجيةٍ مساء اليوم، ونهار غدٍ. في مثل هذه الأحوال، أحتاط باقتناء لوازم البيت.
في الطريق لتسوّق الاحتياجات اللازمة، كانت سيدةٌ عراقيةٌ تتّشح بالسواد، ترافقها شابّةٌ مكتنزةٌ ومحجّبةٌ في مقتبل العمر، تصعدان التلّة لاهثتيْن، مضت بي السيارة عبر الطريق الحيوية باتّجاه المدينة..على الطّوار، كانت سيدتان تتلفّع كلٌّ منهما بقلنسوةٍ تغطّي الأذنيْن، ورجل، والثلاثة يرتدون ملابس التدريب الرياضي، ويهرولون باتّجاه الحوض المائي الذي يفصل ما بين المدينتيْن التوأمتيْن: هاليفاكس ودارتموث.
وراء مقود السيارة، كنت حريصاً على أن لا تتجاوز سرعتها الستين كيلو مترا التي حدّدتها إدارة المرور، خشية أن ينطَّ لي أحد عفاريت شرطة المرور، ويوقفني مبتسماً:
- أنت تجاوزتَ السرعةَ المحدَّدةَ يا سيدي، هات أوراقك، وبعد ذلك، وبابتسامةٍ مماثلةٍ:
- تفضّل وادفع هذه الغرامة، خلال خمسة عشر يوماً، طاب يومك.
خشيت ذلك، ورحت أتأمّل السابلةَ، والمحتفين بعاصفة هذا المساء.
أمام المسمكة التي يعمل فيها صديقي الفلبيني «إيفرين»، كانت مجموعةٌ قليلةٌ من المتسوِّقين والمتسوِّقات تندفع إلى الداخل لاقتناء وجباتٍ إضافيةٍ من سمك «الحادوق»، الذي تشير لافتة المحل إلى أن الباوند منه بثلاثة دولارات.
مضت السيارة باتّجاه مغسلة الملابس التي ورثتها أرملةٌ يونانيةٌ عن زوجها الطيّب العجوز، الأنيق ذي الابتسامة التي لم تكن تفارق وجهه الجميل، قبل وصولي إلى المحل، كانت السيارات مزدحمةً أمام بقالة ومقهى «الفارمر» الذي يملكه مهاجرٌ يونانيٌّ، حيث يستقبل غالباً مجموعةً من أساتذةٍ وشبانٍ عرب في إحدى الجامعات هنا، أمام البقالة إعلانٌ عن البرتقال اليوناني.
كانت الخواطر تتزاحم في رأسي، وقد بدت الطريق خاليةً من السيارات.
في المصبغة، لمحتني العاملة التركية التي غالباً ما تحييني بلغتها التركية، وهي فخورةٌ بأن عربياً مهاجراً يتقنها، مضت، وأحضرت ملابسي، تناولتها، وعدت إلى البيت منتظراً عاصفة هذا المساء.. أمام مجمّع بريد الحي، لمحني جاري العجوز «هاري» الذي انتهى للتو من ترتيب مدخل بيته:
- هاي، هل أنت مستعدٌّ للعاصفة الثلجية هذا المساء؟
-هاي هاري، وصباح غدٍ كذلك.
ابتسم العجوز هاري الذي يرافق كلبيه الصغيرين في رياضة المشي، حتى في أعتى الظروف المناخية.
آخر العمود:
وعندي الهوى، موصوفهُ، لا صفاتُهُ.....إذا سألوني ما الهوى؟ قلت: ما بيا.
(شوقي)

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل