كتاب وأراء

إبرة حياة تخيط الموت


لَسْتَ في حاجة إلى ذاكرة مِن حديد لِتُرَبِّيَ الإحساسَ بوطأة قيود العبيد أنتَ الهارب من عباءة زمنك التي كُلَّما أطبقَتْ عليك كَفَمِ الطاحونة تقولُ لها: «ما أوسَع الموتَ فيكِ»!
مِن قبضة الموت الراكِض خلفَك لا تَحلُمْ بالفرار، ولا تُمَنِّ نَفسَك بالانتصار إلا إن كان انتصارا للرغبة الهزيلة في السباحة في بحر الحياة الذي يُرْدِيكَ مهما أَوْهَمَكَ بأنه يُعْطِيكَ.
ماذا في وُسع بحر الحياة أن يُعطيكَ غير الموت جَلْداً بِذَيْلِ قِرشِ الظروف التي تُلْغي كينونتَك ولا تَعترف بغير دِين القوة الذي يَنحني له أتباعُه بينما تَكفر به أنتَ السيد الذليل.
جحيم الفقر يَحكي بلسان النار الرافضة لمنطق الاختيار عن أيام الخوف والظلام التي لا مجال فيها لتُقاوِمَ غريزة الاستسلام إلا إذا كُنْتَ تَحمل بين أضلعك قَلْبَ غوركي.
غوركي!
نَعَم، غوركي، هذه الكلمة التي أعلنَتْ ثورةَ وتمرُّد صاحبها تَختزن في رحمِها معاني المرارة والغبن والحسرة والحرمان. أما صاحبنا هذا الإنسان، فهو رَجُل المواقف الذي دَرَّب لسانَه على ألاَّ يَلتوي لِيَقول غير «لا» حين يتعلق الأمر بما لا يَقبل أن يَتَجَزَّأَ كالمبادئ التي تَتخذها أنتَ سُلَّما إلى العُلا.
«غوركي» ليس سوى الاسم المستعار الذي آثَرَ ألكسي ماكسيموفيتش بيشكوف ALEXEI MAXIMOVICH PESHKOV أن يُوَقِّعَ به كتاباته التي تَصرخ صرخةَ الأفواه الجائعة تلك التي ناضل كاتبُنا باسمها وقَرَّرَ أن يَبيع كل شيء، إلا نفسه، إكراما لحياة صوتها.
غوركي GORKI المسكين اقتلع قلبَه الحزين ليَكتب به على جدران مدينة الإنسانية النائمة ما لا تُكَذِّبُه عَين ولا يَشكّ في ادعائه قلب، لكنه نَبْض اليقين، اليقين في أن «غَداً يوم آخر» كان من الضروري أن تَهتف به الحواس والجوارح.
رَجُل مثل أليكسي ماكسيموفيتش خَبَرَ النومَ على الأرصفة ومَلَّت منه الشوارع سواء وهو يُطارد رغيفَ الخبز الهارب أم وهو يَرسم بفرشاة حذائه لوحةَ التيه.
وأنتَ تَتصفح كتابَ حياة غوركي لن تَجِدَ سوى الضياع والتشرد والشتات وعنف اللحظات غير بعيد عن مداناة حافة حفرة الثورة على الواقع كما يَراه هو بإحساس الضائع رؤيةَ الناظر إلى الموت مِن عين إبرة الحياة التي تَخيط لك قميصَ الموت بالمجان.
الحياة الشقية تُبَيِّتُ لكَ أكثر من نية لإيهامك بالطريق إلى صدرها الحنون قبل أن تَقول لك: «ملعون، ملعون مَن يُصَدِّقُ أنني قد أفتح له نوافذي وأبوابي»، لكن هل يَستسلم إنسان تَعصرُ قلبَه الأحزان؟!
سَنُصَدِّقُ أن الحياةَ شقية، لكن سَنُصَدِّقُ أكثر فأكثر أن غوركي المتمرِّد سيَرفض أن تنال منه الحياةُ كما تُريد أن تُفَصِّلَ له نفسَها، فهي بالمقاس الذي تَعرضه عليه لا تُشرِّفُه ولا تُرْضيه.
هو لن يَركع، لن يَركع غوركي ولن يَدفع ضريبةً تُرْهِقُه أو تُرهِق غيرَه ممن ألهَبَ عيونَهم سَوْطُ الجوع وقصقص أجنحتَهم مقصُّ الحرمان.
حاطِبُ ليل الغربة صديقنا غوركي لم يَجد في مجتمعه سوى القسوة التي تَحدُّ من إيمانه بأن يلجمَ لسانَها، كما أن الصراعات التي كان يَشهدها المجتمع أثبتَتْ إلى أَيّ مدى أَضْحَت الفجوةُ واسعةً بين الأثرياء والفقراء، بين الْمُلاَّك ومَن زهدَ فيهم فَمُ الرغبة في الحياة.
هل كانت هذه العوامل بداية انقلاب الواقعية الاشتراكية التي أشعل غوركي عُودَ ثقابها رغبةً في الإنصاف؟!
هل كانت هذه مقدمة التغيير الزاحف زَحْفاً طَلَباً للقبض على معطف العدالة الهارب من استبداد صُناَّع الثورة على الأصوات المنادية بحَقّ الطعام لِكُلّ فَم؟!
هل كانت فكرةُ التغيير في حَدّ ذاتها تَقِفُ على قدمين تُسعفانها أكثر مما قد تُسعِفُ الحناجرُ الزاهدة في حياة تُمرِّغ في تُراب الاستعباد الأفواهَ الْمُكَمَّمَة والجيوبَ الخاوية؟!
الدفء الأبوي حين يَغيبُ عنكَ يَجعلك تتآكل تحت وطأة الشعور بالحرمان من تلك اليَد الطاهرة التي تُرَتِّبُ شَعرَك، وتُرَتِّبُ بالْمِثل أوراقَ وجودك أنتَ الذي يَنأى بك قطار تموقعك الجغرافي عن حَيِّز إحساسك بوجودك.
فماذا عن غوركي؟!
يَقِفُ غوركي كجِدار لا يُذعِن لسلطة التداعي والانهيار، يَقف كعمود الكهرباء الذي تَزيده عوامل التعرية صلابة، فلا يُجَرِّب الانحناء، لا يَنحني لغير قوة الرغبة في التغيير، تلك القوة الخلاَّقة التي تَمدّه بما يكفي من طاقة.
الأب الراحل قبل أن تينع نبتة الطفولة، والأم الغاربة عن سماء البطولة في حياة الرجُل، هذا وذاك ما شكل الصفعة الأولى التي أبانَتْ عن بطش الزمن وتطاوله على براءة الصغير ألكسي ماكسيموفيتش الشهير باسم ماكسيم غوركي.
غير أن الحزن يُزهِرُ مرتين في حديقة طفولة غوركي، يَكفي أن رحيل الأمّ الثانية التي تَقَمَّصَتْ دورَها جَدَّتُه جعل فكرة محاولة وضع حَدٍّ لحياته تُعَشِّشُ في رأسه دون سابق إشعارٍ بل تَدخل حيز التنفيذ.
فِراق مَن تُحِبّ يُصيبُ روحَكَ في مَقتل، واللقمة الزاحفة بعيدا عنكَ تَزيدُ شفاهَ الرغبة فيها مضاءً في قتلك بعد أن تُخَدِّرَ غريزةَ حُبّ البقاء لديك حتى لا تَجِدَ لعبورك جسرَ الحياةِ معنى.
هكذا كانت كل المؤشرات تُشَجِّعُ غوركي على البحث عن بدائل لإعادة اللقمة إلى الفَم وهو يَجتَهِد لِيَنْجَحَ في أن يَضرِبَ لِلْعَين موعدا مع النور.
النفَس الحكائي الذي تَرجَم أكثر مِن موقف وقضية وواقع إلى كتابات بأسلوب رائع استمدَّه غوركي من جدته البارعة في الحكي والقص، فلهذه الأمّ الثانية أفضال على كاتِب تَدقّ كتاباته طبولَ الحرب على العابثين برقاب الفقراء المعدمين.
قَلم غوركي الْمُرّ يَسكب لقارئه فناجين ليل تجربته وتجارب الآخَرين الموعودة قلوبُهم بلقاء مع الشقاء لا يَنتهي إلا بنهايتهم. لذلك لا يَخمد بركان الصراع النفسي في كتابات غوركي المشرئبَّة بأعناقها فيها أوجاعُ الساكتين عن حقهم في الحياة كما يُريدون لنفوسهم، لكن غوركي لا يَسْكُت.
أكثر أعمال الروسي غوركي سَفَراً في ذاكرة القارئ روايتُه «الأمّ»، وفيها يُتَوِّجُ صاحبُنا غوركي بدور البطولة أُمَّ شابٍّ عامل أَجْبَرَهُ جشعُ أرباب العمل على ترسيخ الحِسّ الثوري في صفوف العُمّال من باب الثورة على واقع لا يَرقى على مستوى طموحه، وكانت أُمُّ الشاب ذاك بطلةَ الثورة التي ضَمَّتْ صوتَها إلى صوت الكادحين مُعْلِنَةً التَّمَرُّدَ على حياة يَتِمُّ تفصيلها لهم على غير المقاسات التي تَسمح لهم بأن يَسْمَعوا أصواتهم قبل أن يُسْمِعوها.
في روايته يتمسك غوركي بوردة الحرية مهما كَلَّفَتْ أشواكُ التضحية، ولعل مِن أجمل الكلمات التي يَطيب لك أن تَحتفظ بها من تاريخ كفاح أُمٍّ أعادَت رَسْمَ خريطة النضال في زمن الثورة قولها على مشارف النهاية:
«العقل لا يُغرق بالدم...
إنكم لن تخنقوا الحقيقة في أعماق بحار من الدم» [ماكسيم غوركي، رواية الأُمّ].
بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير