كتاب وأراء

لا كرامة لنبي في وطنه

ينطبق هذا القول الشائع الذي يأخذ شكل الحكمة على كثيرين من مبدعي الوطن العربي، ومنهم موضوع حديثنا اليوم الشاعر والكاتب والرسام اللبناني المهجري جبران خليل جبران الذي تحل ذكرى وفاته غداً، فقد ولد في 6/1/1883، وتوفي في 10/4/1931.
لا يعرف كثيرون أن جيران لم يتعلم في أي مدرسة إلا عندما عاد إلى لبنان من الولايات المتحدة وعمره 15 عاماً، لكنه عوض هذا بالقراءة، وكان واسع الثقافة، فقد قرأ لشكسبير وللشعراء الرومنسيين ولا سيما بليك كيتس، شلي، نيتشه، ولعله حاكى في قصائده النثرية قصائد الشاعر الأميركي والت ويتمان مبتكر هذا الفن. كما يبدو أثر الفلسفة الأفلاطونية في رومنسيته وتصوفه، وأثر الانجيل بارز في نتاجه. كما تأثر بالتصوف الشرقي الهندي والمسيحي والإسلامي، فآمن بوحدة الوجود والتقمص، وبالحب وسيلة لبلوغ الحقيقة، فضلاً عن قراءته الأساطير اليونانية والكلدانية والمصرية.
كان جبران ميالاً منذ الطفولة إلى الوحدة والتأمل أحلام اليقظة. وظل في مراهقته منطوياً على نفسه، بعيداً عن الأقارب والجيران. وكان سريع البديهة، متواضعاً وطموحاً. وكان شديد الرغبة بالشهرة ولو عن طريق الانتقاد.
وكان لأجواء بوسطن التي نشأ فيها أثر في إذكاء ثورته على التقاليد والنظم البالية في المجتمع الشرقي، وذلك عندما أحس بالتناقض بين جو الحرية الفكرية الاجتماعية السياسية في بوسطن وبيئته الشرقية. ترك في عمره الذي لم يزد عن 48 عاماً عدداً من المؤلفات باللغتين العربية والانجليزية، ويحتل كتاب «النبي» المرتبة الأولى، وقد بلغ به القمة في ثلاثينيات القرن المنصرم، وشغل به الأدباء وعامة الناس، وتواصلت طباعته منذ ذلك، ويتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في العالم، حيث يحتل المرتبة الثالثة بعد كتب شكسبير والفيلسوف الصيني «لاوتسو» وتُرجم إلى 50 لغة، وقد تأثر به الكثيرون في الغرب والشرق من أمثال الرئيس الأميركي جون كنيدي. تفاعل جبران مع قضايا عصره، وبالنظر إلى خلفيته المسيحية، حرص جبران على توضيح موقفه بأنه ليس ضِدًا للإسلام، بل هو ضد تسييس الدين سواء الإسلامي أو المسيحي. وكتب في «رسالة إلى المسلمين من شاعر مسيحي»:
أحب الإسلام وعظمة الإسلام ولي رجاء برجوع مجد الإسلام. وأجـِلُّ القرآن، ولكنني أزدري من يتخذ القرآن وسيلة لإحباط مساعي المسلمين، كما أنني أكره الذين يتخذون الإنجيل وسيلة للتحكم برقاب المسيحيين.
في حياة جبران قصة حب عجيبة مع الكاتبة مي زيادة، رغم أنهما لم يلتقيا مرة واحدة. ودامت المراسلات بينهما عشرين عاماً منذ 1911 وحتى وفاته، وهو الوحيد الذي بادلته حباً بحب، وإن كان حباً روحياً خالصاً وعفيفاً.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين