كتاب وأراء

فينسنت : «يا رغبات انطفئي» !

ما أَرْوَعَه مِن إنسان ذاك الذي يُعلِنُ التمردَ والعصيان رغبةً في أن يَدْفَعَنَا إلى الغَوص في أعماق بحر القُبْح، قُبْح الغُموض الذي لا يُنكِرهُ بَصَرٌ، من أجل القبض على شيء مِن الجمال، جمال الوُضوح الذي لا تُكَذِّبُه بَصيرةٌ.
الحياةُ حَصيرةٌ، لا بَلْ لِنَقُلْ: الحياةُ حصيرةٌ وفطيرةٌ. أيّ حياةٍ هذه؟! إنها حياة البسطاء يا صديقي، هؤلاء البسطاء ليسوا سِوى المعذَّبين على الأرض، صَدِّق يا صديقي أنها الأرض التي لا تختلف كثيرا عن كوكب جهنم، فكلاهُما يُجبرك على الرحيل في العذاب دون أن يُخَيِّرَكَ متى تُقَرِّرُ الرحيلَ ولماذا تَرحَل أساسا.
عن حصيرة وفطيرة تَختزلان شَكْلَ الحياة وطَعْمَ الحياة ولَوْنَ الحياة يَطير إلينا صاحبُنا فينسنت فان كوخ Vincent van Gogh عَبْرَ سَفَر في الزمن لِيُوَجِّهَ لنا دعوةً إلى عشاء أخير، لكن مَهْلاً، فلا تُمَنِّ نَفسَك بموعد مع خَروف، لماذا؟! لأن البطولةَ الْمُطْلَقةَ هنا للبطاطا.
فينسنت، المسكين الذي وَجَدْنَاه سابقا جاثما تحت شجرة القَلْب وهو يَمدُّ يديه ليَقطفَ شيئا من تُفاح الحُبّ الذي يَعود بنا إلى زمن حبيبته أو رسولا، ها هو يَزهد في التفاح الْمُعَلَّق ويُقَرِّرُ أن يَنزلَ إلى الأرض لِيَلْتَقِطَ شيئا من تفاح الأرض، نَتَحَدَّث عن البطاطا.
حياةُ الفلاح المسكين حصيرة وفطيرة يُصَوِّرُهما لنا فينسنت في صورة مَشهَد بائسٍ بِقُبْحِه يَحفل فيه «آكِلُو البطاطا» بسيدة الأرض التي لا تَخرج عن البطاطا، فحين يَركض بكَ العُمرُ ويَستبدُّ بك القَهرُ دَرِّبْ نَفْسَكَ على أن تَنْحَنِيَ لرياح القَدَر.
اِنْحَنِ، وانحَنِ أكثر فأكثر، اِزْهَدْ في تفاح الجَنَّة، واحلُمْ، احلُمْ قَدْرَ الإمكان بتفاح الأرض قبل أن يَزهَد فيكَ تفاح الأرض هو الآخَر.
«آكِلُو البطاطا» [Les Mangeurs de pommes de terre] هو عنوان لوحة خالدة دَرَّبَ فيها فينسنت فان كوخ أصابعَه على البوح لِتَقولَ وتَقُول، لوحة عميقةُ المعنى كهذه تَستحقُّ منا أن نُحَيّي البطاطا وأن نُحَيّي بالْمِثل صانِع البطاطا فينسنت الذي أَحَسَّ بما يُحِسُّ به الْمُعَذَّبون الباحثون عن البطاطا قبل أن يُصَوِّرَهم لنا على أنهم باحثون عن الحرية.
حين تَغيبُ البطاطا اِنْسَ أَمْرَ الحرية، وارْضَ بأن تَكون مُسْتَعْبَداً إن كان في استعبادك مُعادِلٌ للباب الذي يَفتَحُ لكَ الطريقَ إلى المعِدَة، أنتَ، أنتَ الذي في حِرْصِكَ على تجاهُلِ صوتِ قلبِكَ أصْبَحْتَ زَهِدا.
مَن ضَلَّ الطريقَ إلى مَعِدَتِه لَنْ يُفَكِّرَ مُطْلَقاً في الطُّرُق التي تَقود إلى القلب، لماذا؟! لسبب واحد مِن الحِكمة أن نُقدِّمَهُ مضغوطا في حِكمة، حِكمة سَتَحمل توقيعَ كُلِّ لسان أسيان، لِنَقُل إنَّ موتَ القلب يَسبقُ حياةَ المعدة، ولْنُعَبِّرْ بالْمِثل قائلين: عندما تَصرخ المعدة يَبتلعُ القلبُ لسانَه فتسقط كلمتُه.
«آكِلو البطاطا» لوحة تُضْمِرُ البُؤْسَ الذي يَتمَدَّدُ كقصيدة بُكائية في زمن الثورة على الثروة المنهوبة واليأس مِن الإنسانية المصلوبة في ظِلّ تَعالي صرخات ضحايا فيضان مدينة القلب المنكوبة.
مُرَّة، مُرَّة يا بطاطا وأنتِ لا تَرْقَيْنَ إلى شهوة الشبعان، لكن ما أحلاكِ في عَيْنَيْ الجوعان الذي يُلْبِسُه فينسنت فان كوخ قميصَ البؤس، حتى وهو يُقصقص أجنحة رغبته الشقية في إطفاء نار جوعِه!
وأنتِ يا شهوة يا باحثة عن كَتْم صُراخ الأمعاء كم أنتِ باردة! باردة أنتِ إلى درجة أنكِ في مَلْءِ جُيوب البطن أصبحتِ زاهدة!
مَن يَقول هذا؟!
فينسنت طبعا، اِسْأَلُوا فينسنت، فلَيْسَ أمامنا إلا أن نُحاكِمَ لوحتَه الأمَّار لسانُها باعتراف يشفي غليلَ الرغبة التَّوَّاقة إلى حَلْب المعنى، صحيح أن المعنى الخَفِيّ مدفون مع جثة صاحب اللوحة، لكننا نُصدِّق أن كلامَ عيون الصورة حقيقة لا وَهْم.
عندما يَدعوك فينسنت فان كوخ إلى عشاء بطاطا، رَتِّبْ ذاكرتَكَ الانفعالية لِتَقِفَ عند رصيف النائمين على حصير الحياة البارد، حياة بطعم البطاطا، ومَن هؤلاء غير أولئك الذين فَرَّ معطفُ الإحساس بالحياة هاربا بعيداً عنهم، وتَركَهم لجبروت الرغبة في القسوة على أنفسهم.
الزمن البائس عَلَّمَ هؤلاء القسوة قائلا: «اِشْرَبوا من بحري المالِح وتَعَلَّموا العومَ فيه دون أن أن تَكونوا في حاجة إلى ملابس سِباحة، فمَن يَعرف الطريقَ إلى حضني، حضن البحر، لن يَحلمَ بالعودة»..
العودةُ الميمونة أعزّ ما يُطلَب، لكن واقعَ الحال يُجْبِرُكَ على الإذعان والامتثال لِتَظَلَّ مُعَلَّقا، وهكذا تماما يَظَلُّ أبطالُ عشاء فينسنت فان كوخ مُعَلَّقين بِقَدْرِ ما تَظَلُّ قلوبُهم مُعَلَّقَةً مِثْل ذلك المصباح اليتيم.
المصباح الخافت ضوؤُه، ذاك الذي يَقِفُ شاهدا على مأساة المجتمِعين على مائدة بطاطا فينسنت، نَجِدُه بالكاد يَرسم ملامح باهتة لهم هم الفاشلون في لعبة الحياة، لا بل صَدِّقْ يا صَديقي أن شحوبَ ضوء المصباح، ذاك الذي يُخْفِي أكثر مما يَكشف، يُحاول جاهدا أن يَتَسَتَّرَ على جريمة الزمن الذي يَجلد بذيله أبطالَ فينسنت ويَبْتُر سيقان رغبتهم في الفِرار من رقابته والنيل من صلابته وتحلية رتابته.
أبطالٌ تَقول ملامحُ وجوههم، تلك التي تَذوب وجعا ذوبانَ ساعاتِ سلفادور دالي في لوحته المسمَّاة «إصرار الذاكرة»، إنهم مُنْهزمون، لا يَستشرفون المستقبَل بعيون الأمَل، لا بل حتى إنهم لا يَحلمون، لا يَحلمون بالشمس ولا بالمطر، فمواسم حياتهم جافَّةٌ جفافَ شِفاهٍ زهدَتْ فيها القُبَلُ، شفاه تَلبس سترةً بلون الموت الداني.
وإليكَ من جملة المعاني، تلك التي يُسَجِّلُها قَلَمُ عينيك المستاءتين مِن فُتور رغبة فينسنت فان كوخ في إعلان المصالَحَة مع زَمنِه، ما يُوحي بعاصفة الرمال التي ضَرَبَتْ قريةً غابَ عنها أن تُفَكِّرَ في أن تَكون آمِنة.
لونُ الرمال ذاك، أو لِنَقُلْ على وجه التحديد إنه لون لا لونَ له، غَلَّفَ عجينةَ الطين المصبوبة في قوالب بَشَر لا تَجِدُ أنتَ مِنَ العيب أن تَقولَ إنكَ تُشكِّكُ في حقيقة أنهم بَشَر، مع أن الظاهرَ يُكَذِّبُ أنهم بَشَر في مستوى المعايير التي تَحترِمُ حقيقةَ كونِهم بَشَرا.
قِصَصُ البؤس لا تَعِدُ بنهاية تَليقُ بانتظارك، فالبؤساء الذين يَعتصرهم الدَّهرُ، كأبطال فينسنت فان كوخ الذي لا يَخرج هو عن كَوْنِه واحدا منهم، يَربطون قِصَّةَ حُبٍّ قَسْري مع لَعْنَةٍ تُسَمَّى الفَقْر، ومن ثمة لا أُشَوِّقُكَ إلى نهايةِ علاقة حُبٍّ غير شرعية لا تُشَجِّعُكَ على التفاني في التضحية.
واقعُ البؤس مستقبلُه دون ملامح، ولهذا لا نَستَغْرِبُ أن يَرْسُمَ لنا فينسنت حُدودَ عالَمٍ يُسَيِّجُه الغُموضُ بفضائه وشخصياته، إنه عالَم اللوحة التي يُصَوِّرُ لكَ عقلُكَ أنها تَبيعُ الوهمَ، لكنها في واقع الأمر تَلتَقِطُ لك صورةَ الحقيقة التي لا تَقْبَل غير التصديق.
مُبْدِعٌ مثل فينسنت رَضعَ حليبَ القسوة والحرمان مِن الطبيعي أن نَجِدَه يُشَوِّهُ معالِمَ الإنسان كما تَرصده لوحتُه العائمة في محيط من «البطاطا» بِطَعْم سوريالي رغم مُؤَشِّرات التجربة الواقعية التي تُلْقِي بضوئها على حياة فينسنت، فينسنت الذي فاتَه قطارُ الإحساس بطَعْم الحياة الحقيقي بعد أن اسْتَدْرَجَت الظروفُ عربةَ أيَّامِه الصعبة إلى مُسْتَنْقَع السقوط.
السقوطُ تجربةُ حياةٍ لا يَنْفِيها أبطالُ لوحةِ البطاطا، أولئك الذين يَجْمَعُهم الغبنُ على طَبَقٍ واحد بِلَوْنٍ واحد هو لَوْنُ الشقاء واللاجَدْوَى من الاكتراث بالقادِم والمبالاة بالآتي.
لذلك يُؤَكِّدُ فينسنت في لوحته بأنكَ سَتُضِيعُ الكثيرَ من الوقت إذا كُنْتَ مِثل بعض أبطالِه تُحاولُ رَبْطَ جُسور التواصل والحوار مع البَعض الآخَر الذي لا يَعْتَرِفُ بِوُجودِكَ رغم وُجودِكَ.
لُغَةُ أبطال لوحةِ فينسنت مُعَطَّلة، ولا غرابةَ أن تُعَبِّرَ هذه اللغةُ عن أنها مُصابَة بهشاشة العظام، فجُمْلَتُك الحوارية، كما تَنْقُلُها الصورةُ انطلاقا من حركة الشفاه وملامح الوجه واستدارة الرأس، لن تَصِلَ إلى الآخَر مهما اجتهَدْتَ أنتَ، ببساطة لأن الآخَرَ لا يُعِيرُكَ اهتماما، فهو خارج حَيِّز الزمن والمكان مَهْمَا بَدَا لكَ العكس.
أبطالُ فينسنت لُغَتُهُم تَقِفُ شاهدةً على العَبَث واللامعقول، ورِسالتُها تَقول: تَعَلَّمْ أن تُغْلِقَ فَمَكَ قبل أَنْ يُغلِقَ الآخَرون آذانهم، كأَنَّهم أُصِيبُوا بحساسية مِن الصَّوت في زمن يُنذِرُ بالموت.
يَقيناً سَتُصَدِّقُ أنك تَدُورُ في فَلَكِ مسرحِ صمويل بيكيت Samuel Beckett، كما رَأَيْنَا في «نهاية اللعبة»، وأنتَ تَقِفُ عند كَمِّ غيابِ الانتباه الذي لا تُبْدِيه شخصياتُ خشبةِ لوحةِ البطاطا، فأَبْطَالُها اتَّفَقُوا على ألاَّ يَتَّفِقُوا، ولذلك تَرى الواحدَ منهم يُصِرُّ على أَلاَّ يَمدَّ حَبْلَ الكلام، وإذا فَعَلَها سَيَصْرِفُ النظرَ عن رَبْطِ طَرَفِ الحَبل بِعَمُودِ لِسانٍ يَزهد في أن يَتَهَيَّأَ لِمَوْعِدِه.
الصَّفاء الروحي نَصٌّ غائبٌ في نَصٍّ مَرئي يَكتبُه فينسنت بألوان هُلامِيَّة، والسَّلام هنالك قصيدة تشتَّتَتْ أبياتُها، والحنينُ إلى الإحساس بمعنى الحياة شجرةٌ عقيم تُمَنِّيكَ ولا تُعطيكَ، تُغْرِيكَ بالظلّ واعدةً ولا تَفِي. ما أَبْعَدَ يَدَك عن نُعومة حَبَّةِ تِين الحياة الناضجة تلك التي لا يَضْرِبُ لكَ فينسنت موعدا معها، فهو نَفْسُه تَجَرَّعَ الحياةَ جرعاتٍ مُرَّةً أَرْهَقَتْ صَبْرَهُ عليها، صَبره القليل الذي جَعَلَه يُرَتِّبُ لإنهاء لُعبةِ الحياة التي وَجَدَها سَخيفةً لا تُشَجِّعُ على الاستسلام لِأُنُوثَتِها الباردة! هل كان لذلك دَخْلٌ بحكاية الأنثى الحالِفَة أَلاَّ تَعودَ إلى حضن فينسنت؟! المؤَكَّدُ أن فطيرةَ الخُبز وفطيرةَ الأنثى كِلتيهما أَقْسَمَتْ كُلُّ واحدة منهما أن تَنْأَى عن ضفاف فينسنت، لذلكَ كان الْمَشْهَدُ الحاضر بقوة قُبَالَةَ عينيه هُو البؤساء. البؤساء هُمْ أولئك الذين يَذُوبُ الواحدُ منهم كالشمعة قُدَّامَ فينسنت، فكُلٌّ منهم مأساةٌ تَمشي على قدمين، وكُلٌّ منهم يَتماهى مع حُزنِه حُزنُ فينسنت، ذاك الذي جَسَّدَ في لوحةٍ، تَستحقُّ أن نَتضامن مع أبطالها ونُشفِقَ عليهم، واقعاً مُرّاً مِنَ الْمُؤْسِف أنه يَثُورُ في وجه الحياةِ قائلا: «يا رغبات، اِنْطَفِئي!».
بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير