كتاب وأراء

الاستثمار الأميركي ـــ الصهيوني في التنسيق الأمني مع أجهزة «السلطة»

موضوع تشكيل الأجهزة الأمنية في إطار إنشاء السلطة الفلسطينية لتكون ذراعها الأمنية منذ وضع اتفاق غزة - أريحا موضع التنفيذ عام 1993 لا يزال محل نقاش حول الدور المنوط بها، هل يصب في مصلحة الشعب العربي في فلسطين وقضيته الوطنية العادلة، أم أنه يخدم الاحتلال وتحقيق أمن الكيان الصهيوني؟.
وما يجعل هذا السؤال ملحا هذه الأيام بقاء واستمرار التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية وأجهزة أمن الاحتلال الصهيوني، رغم إعلان موت اتفاق أوسلو المسمى غزة - أريحا، من قبل الكيان الصهيوني الذي لجأ إلى تنفيذ خطته باستثمار الاتفاق لتحقيق أهدافه التوسعية في فلسطين واستخدام المفاوضات مجرد ملهاة لتقطيع الوقت حتى يتمكن من فرض الأمر الواقع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلة وشطب حق العودة، واستطرادا البناء على ذلك لفرض الحل الاستسلامي الذي يحقق هذا الهدف، والذي عبر عنه أخيرا بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني، وعلى الرغم من رفض السلطة الفلسطينية لهذا القرار الأميركي وإعلان أن واشنطن ليست وسيطا نزيها وأنها لم تعد تقبل بها وسيطا في عملية المفاوضات المتوقفة أصلا، إلا اننا لمسنا حرصا أميركيا إسرائيليا على استمرار عمل الأجهزة الأمنية للسلطة والعمل على تطويرها ومواصلة الاستثمار فيها.. لماذا؟.
حسب تعبير معهد واشنطن، في مقال لأحد كتابه، فإن هذا الاستثمار يسمى «الصفقة السرية التي تمنع الانفجار» وطبعا الصفقة التي تحمي أمن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وتجعل من أجهزة الأمن الفلسطينية ذراعا إسرائيلية مغروسة في الجسد الفلسطيني وتشكل العين الساهرة على حماية الأمن الإسرائيلي من أي هجمات فدائية محتملة قد يقدم عليها شبان فلسطينيون، أو الأداة التي ترشد جنود الاحتلال على أماكن اختباء المقاومين الذين تلاحقهم قوات الاحتلال إثر قيامهم بتنفيذ عمليات ناجحة ضد دوريات صهيونية على غرار تلك التي حصلت في الفترة الأخيرة في نابلس وجنين وملاحقة أحد المقاومين الأبطال أحمد جرار الذي نجح في التواري عن أعين أجهزة الأمن الصهيونية إلى أن تمكنت بمساعدة من أجهزة الأمن الفلسطينية في الوصول إليه والاشتباك معه واستشهاده.
لكن بنظرة متفحصة لناحية التنسيق الأمني «الصفقة» يتبين أنه أشمل وأوسع مما هو ظاهر على السطح أنه يطال كل شيء تحتاج إليه أجهزة الأمن الصهيونية: الحوار وتبادل المعلومات الاستخبارية، ومكافحة المقاومة للاحتلال، وتجنب المواجهة خلال الغارات العسكرية الصهيونية على المناطق التي تخضع اسميا لسيطرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وفوق ذلك هناك القرار الاستراتيجي الذي يؤيده رئيس السلطة محمود عباس ألا وهو: كلا للعنف.
لذلك على سبيل المثال وفقا لمسؤول أمني كبير في السلطة الفلسطينية يبقى الضباط الإسرائيليون والفلسطينيون على اتصال دائم– «يوميا وأسبوعيا»- لمناقشة التهديدات المشتركة في الضفة الغربية التي يمكن أن تؤثر على الوضع الأمني المستقر على كلا الجانبيين».
ويبدو من الواضح أن التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية لم يهتز وظل ثابتا ومستمرا رغم كل ما حصل ويحصل من تطورات سياسية، نسفت اتفاق أوسلو الذي أنتج هذا التنسيق، ولم يبق منه فعلا غير هذا التنسيق صامدا وثابتا، ولهذا فإن واشنطن وتل أبيب تستثمران في هذا التنسيق الأمني المربح لهما، فالأموال التي تدفع للسلطة وتبلغ مليار دولار سنويا إنما الهدف الأساسي منها تمكين السلطة من مواصلة لعب هذا الدور المنوط بها أمنيا لضمان ما تعتبره أميركا مصلحة أمنية إسرائيلية: أمن إسرائيل، واستقرار الضفة، أي شراء أمن إسرائيل وتأمين الهدوء في الضفة بالمال والامتيازات التي تمنح للسلطة الفلسطينية وقياداتها.
وليس من الفراغ أن البند الوحيد الذي تم تطبيقه من اتفاق أوسلو هو البند الأمني المرتبط باستمرار وتطور وازدهار التنسيق الأمني ورضا الولايات المتحدة وإسرائيل عنه والعمل الحثيث على المحافظة عليه، كلما حصل اهتزاز في الأوضاع وظهور مؤشرات على احتمال أن تندفع الأمور نحو الانفجار الشامل وانفلات الأمور من أي سيطرة، وما يؤكد ذلك دور التنسيق الأمني، أقله حتى الآن، في الفترة الأخير، في الحد من ردود الفعل الشعبية الفلسطينية ضد قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني، ومساعدة أجهزة الأمن الصهيونية على احتواء العمليات الفدائية وملاحقة منفذيها.
من هنا فإنه بالقدر الذي يستثمر كيان العدو الصهيوني وحليفته الولايات المتحدة في دعم التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والأجهزة الأمنية الصهيونية، بالقدر الذي يجب فيه التصويب على هذا التنسيق الأمني ودوره الخطير في خدمة الاحتلال الصهيوني ومخططاته ومشاريعه، باعتبار ذلك مهمة وطنية وقومية.
كما أنه من الواضح أيضا أن السلطة الفلسطينية تتمسك بهذا التنسيق الخطير حرصا على امتيازاتها وخوفا من تنفيذ التهديد الأميركي الغربي بقطع الدعم المالي المقدم لها. ما يؤشر إلى أنها باتت جزءا من منظومة التبعية الأمنية للاحتلال الصهيوني وأنها غير قادرة على التحرر من هذه التبعية بسبب الارتباط المادي المرهون باستمرار تأدية هذا الدور الأمني في خدمة الاحتلال ولهذا كله لا تراهنوا على مصالحات تنهي الانقسام، ولا تنتظروا وحدة وطنية مستحيلة بين من قبل التعامل والتنسيق الأمني مع المحتل ومن يلتزم خيار المقاومة في مجابهة الاحتلال.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي