كتاب وأراء

كــيــف لــنــا أن نــحــتــفـــل؟

في مثل هذه الأيام قبل أكثر من عشر سنوات قلت لرئيس مجلس الجالية السورية في قطر: من حقك أن تدعو الجميع إلى الاحتفال بأي مناسبة وطنية سورية، وليس من حقك أن تعتب عليهم إذا لم يشاركوا، ربما تكون مناسبة خاصة بحزب البعث، وليس كل الناس بعثيين، فما الذي يدعوهم إلى الاحتفال؟ بالمناسبة مرت قبل عشرة أيام الذكرى الحادية والسبعون لتأسيس حزب البعث العربي في 7 أبريل/ نيسان عام 1947، بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وقد اندمج الحزب بعد ذلك عام 1952 مع الحزب العربي الاشتراكي الذي كان يقوده أكرم الحوراني، ونتج عن الاندماج «حزب البعث العربي الاشتراكي».
قلت: ولكنك لا تملك الحق بأن تمنع أي سوري من الاحتفال بهذا العيد «عيد الجلاء» في 17 / نيسان أبريل، لأنه عيد تحرر سورية من الاستعمار الفرنسي، ومن حق كل سوري (ومن واجبه أيضاً) أن يحتفل بهذا العيد، بغض النطر عن انتماءاته العرقية (عربي أم غير عربي) والدينية والمذهبية والسياسية والطائفية والعشائرية والمناطقية، من القامشلي إلى الجولان، ومن طرطوس إلى البوكمال (على حدود العراق) ومن الحدود مع تركيا إلى الحدود مع الأردن، لأن آباءنا وأجدادنا الذين صنعوا هذا العيد بدمائهم وتضحياتهم ونضالهم، لم يفرقوا بين عربي وكردي، وبين مسلم ومسيحي، وبين سنيّ وعلوي. كان من آباء الاستقلال السوري الشيخ صالح العلي (العلوي) وسلطان باشا الأطرش (الدرزي) وحسن الخرّاط (من الغوطة) وعبد الرحمن الشهبندر (السني) وإبراهيم هنانو (كردي من كفرتخاريم) وفارس الخوري (المسيحي).
نشأنا في سورية دون أن يهتم الواحد بانتماء الآخر، يكفي أن الجميع ينتمون إلى سورية، ويعمل الجميع من أجل رفعتها وتقدمها وعزتها وكرامتها. كنا ننشد الأناشيد نفسها، ونردد الأشعار نفسها، وكان يوم عيد حقيقي، فما الذي حدث؟ خلق الله سبحانه الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل «ليتعارفوا» لا ليتقاتلوا. وأخرج الإسلام الناس من ظلمات القبلية والعشائرية والتعصب، إلى نور الانتماء الواحد «ليتعاونوا على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان». قال أحد المتحدثين ولم يجانبه الصواب «كنت تجد في بناية واحدة جميع أطياف الشعب السوري، أما الآن...» يا حسرتي على ما يحدث الآن.
كيف سنحتفل بعيد الجلاء؟ ومن الذي سيحتفل؟ ماذا سنغني؟ وما سننشد؟ كأن ثمة اتفاقاً على قتل الفرح في حياة السوريين. ذات يوم تحسر أحدهم على أيام الاستعمار وقال «كنا على الأقل أكثر وحدة وتماسكاً وأخوة من الآن بعد أكثر من سبعين سنة من الاستقلال، فماذا سنقول للأجيال القادمة؟ ماذا سيغنون؟ وماذا سينشدون؟».

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين