كتاب وأراء

قضايا ومعوقات الخطاب الديني (9)

المعوق الثقافي
ذكرت فيما مضى ثلاثة معوقات أمام تجديد الخطاب الديني، وهي: الممانعة المجتمعية، والتراث الحاكم، وعقبة الإصلاح العام، وأضيف هنا عقبة رابعة، هي: المعوق الثقافي، والمقصود بها: العناصر المعوقة في الثقافة العربية التي انتقلت إلينا من العصور السابقة، ولا شك أن الثقافة العربية، كغيرها من ثقافات الأمم الأخرى، فيها الإيجابي المحمود، والمعين على البناء والتنمية والنهضة والتقدم، وفيها أيضاً، السلبي، غير المناسب لعصرنا، المعوق للتجديد والإصلاح والنهوض والتقدم.
لكن الأمم الأخرى استطاعت تجاوز العناصر السلبية في ثقافتها، أو تحييدها، وتغليب العناصر الثقافية الإيجابية واستثمارها في نهضتها، ونحن لم نتمكن من إجراء هذا التجاوز، والعبور إلى عالم الحداثة، إذ لازالت العناصر السلبية، في الثقافة العربية تشكل حواجز منيعة أمام هذا العبور والتجاوز.
الثقافة العربية، وكما يقول المفكر السعودي الفذ: إبراهيم البليهي: هي التي تصوغ العقلية والنفسية الجمعية للعرب، وتشكل نظرتهم للعالم، والناس يعيشون مقولبين بالثقافات التي تربوا عليها، وبالإرث التاريخي الثقيل الذي انتقل إليهم دون اختيارهم، فالمجتمع يرث من أسلافه أسلوب الحياة، وطريقة التفكير، ومنظومة القيم، وشبكة العلاقات، وهو يورثها (تلقائياً) لأفراده، ولا خيار في ذلك، لا للمجتمع ولا للأفراد، لأن عقول الناس محكومة بهذه الثقافة التي نشأوا عليها، وهكذا فإن الثقافات هي قوالب للعقول.
الثقافة العربية، وبخاصة، ثقافة الجزيرة العربية وامتداداتها، غلبت عليها السمة الاستعلائية، وانشغلت بثقافة التفاخر بالأحساب والأنساب، ومجدت القوة والعنف والغلبة في الصراعات على المرعى والحمى والمغانم، ونصف ديوان العرب، وهو الشعر، في تفاخر العربي بانتصاره على أخيه العربي، ويتغنى شاعر القبيلة، بأن قبيلته ترد الماء صفواً، في حين ترده القبائل الأخرى، كدراً وطيناً - ترى ما ضرها لو تركته صافياً يرتوي منه الآخرون؟! - الإنسان ابن بيئته، والأدق ابن ثقافته التي تشربها، تلقائياً، طبقاً للبليهي، منذ نعومة أظفاره، هذا الموروث الثقافي الذي تشربه الطفل من أسرته ومن الجو المحيط به، يشكل برمجة عميقة لنفسية وعقلية هذا الكائن، المسمى بالإنسان العربي، كما يعد المخزون الثقافي التراكمي الممتد من الماضي البعيد، والإطار المرجعي المكون للاوعيه، وجزء كبير منه تعصبي للذات والقبيلة والمذهب والطائفة والشيخ والإمام، وإقصائي للآخر المغاير، وفيه غلو كبير في الاستحواذ، وحب التسلط أي تسلط! طبقاً لـ(حبَّذا الإمارة ولو على الحجارة) ونحن أناس لا توسط بيننا، لنا الصدر دون العالمين أو القبر وإذا بلغ الفطام لنا صبي، تخر له الجبابرة ساجدينا وإذا غضب، غضبت له ألف سيف، لا يسألونه فيم غضب! هذه الثقافة المغالية في الاستعلاء، والانتصار للقبيلة ولو كانت ظالمة، هي الحمية الجاهلية الممتدة إلينا، والمؤثرة في عقلياتنا ونفوسنا وسلوكياتنا، وهي التي جاءت تعاليم القرآن الكريم لتفكيكها، وإذ لا لوم على القدماء في مسلكياتهم، وقد نلتمس لتلك الثقافة ما يبررها، إذ هو ما اقتضته طبيعة عيشهم في صحراء عنيفة، شحيحة الموارد، لا سند لساكنها ولا ظهر له ولا معين، غير الاحتماء بقبيلته والتفاخر بالحسب والنسب، والحرص على نقاء السلالة والأصل، حيث لا معطيات أخرى، فلا إنجاز فكرياً، أو ثقافياً، أو صناعياً أو تنموياً أو إبداعياً أو إنجازاً حضارياً ؛ لكن ما مبرر استمرارها، اليوم، عن الإصلاح والتجديد والتغيير والتطوير، وقد انغمست مجتمعاتنا في مظاهر التحديث والتمدين؟!
الثقافة الإسلامية، التي تدرس في جامعاتنا، بهدف تحصين الطالب فكرياً ودينياً من الغلو والتطرف، تعمق عزلة الطالب عن العالم، وتزرع في نفسيته كراهية الآخر، كونها مهجوسة بالمخططات العالمية والتآمر العالمي على الإسلام والمسلمين، والعولمة الخبيثة، والصليبية الحاقدة، والتغريب الذي يستهدف المرأة المسلمة، بل تعاني حساسية مفرطة تجاه أي أمر يخص المرأة: ملابسها، عملها، اختلاطها، سفرها، توليها المناصب القيادية، وهي ثقافة تتوجس من العلمانية، وتعادي العلمانيين وأصحاب الفرق والمذاهب الأخرى من الشيعة والمتصوفة والأديان الأخرى.
ختاماً: تجديد الخطاب الديني، في العصر الحديث، يتطلب وقفة نقدية عميقة وشاملة أمام هذه الثقافة المنغلقة التي تمجد ذاتها، وتستعلي على غيرها.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري