كتاب وأراء

حلقات الدبكة وانتصاراتنا المدهشة

«هذا وقد عقدت حلقات الدبكة في المحافظات السورية ابتهاجا بهذه المناسبة»!
يتذكر السوريون جميعا هذه الجملة التي كانت شبه دائمة في نشرات الأخبار السورية، أو في الصفحات الأولى للصحف الثلاث الوحيدة في سوريا، وجملة (شبه دائمة) لا تحوي أي نوع من المبالغة، فالاحتفالات والمناسبات والأعياد الوطنية السورية كانت متواصلة على مدار العام، كل شهر هناك مناسبة أو اثنتان، وكل مناسبة هي بمثابة إعادة تجديد البيعة للسيد الرئيس، الأب، والابن من بعده، حتى المناسبات التي يفترض أنها حزينة كعيد الشهداء المصادف يوم 6 مايو، كان المواطنون يعقدون بهذا اليوم أيضا حلقات الدبكة وهم يرفعون صور السيد الرئيس وأعلام سوريا، صور السيد الرئيس كانت تتفوق دائما على الأعلام، قبل أن يتم اختراع علم خاص بهذه الاحتفالات، حيث توضع صورة السيد الرئيس في وسط العلم بين النجمتين، بحيث تصبح سوريا ملازمة للأسد، وتصبح مقولة سوريا الأسد حقيقة مؤكدة لا لبس فيها.
أما المواطنون الذين كانوا يعقدون حلقات الدبكة في المحافظات والمدن السورية، فهم الموظفون وطلاب المدارس والجامعات، الذين كانوا يساقوا جميعا في باصات النقل الداخلي (الخضراء)، يا للمفارقة المدهشة، إلى أماكن التجمع في الساحات العامة، حيث تنصب المنصات المخصصة لمسؤولي الدرجة الأولى الذين يلقون الخطابات الوطنية الحماسة، قبل أن تصدح أجهزة الصوت بالأغاني الوطنية، التي كانت كلها دون استثناء أغاني في مدح السيد الرئيس، وكانت كلها أيضا ملحنة على إيقاعات سريعة وراقصة كي يتمكن المواطنون المنتظرون من عقد حلقات الدبكة، وغالبا ما كان يأتي ضارب طبل يقف في منتصف حلقة الدبيكة ليدب الحماس الوطني في نفوس المواطنين.
نحن مواطنون سعداء نعيش في وطن سعيد تتوالى فيه الانتصارات نصرا وراء آخر، هذا ما كانت تشي به صور المواطنين الذي يدبكون في الشوارع والساحات العامة..
لم يكن الهدف هو إقناع العالم خارج سوريا بذلك، إذ كانت هناك قناعة تامة لدى مسؤولي سوريا بأن العالم يرى في سوريا واحدة من دول العالم الأول، كان الهدف هو إقناع السوريين أنفسهم بأنهم شعب سعيد، لا يعاني من الفساد ولا من الفقر ولا من القمع ولا من التهميش ولا من الخوف ولا من الإقصاء، ولا من الهزائم المتكررة، ولا من أي شيء مما سبق، كان الهدف هو إجبار المواطنين على الاقتناع أنهم مواطنون سعداء ومرتاحون ولا تشوب حياتهم اليومية أية شائبة، وثمة مستقبل زاهر ومشرق ينتظر أبناءهم في وطنهم السعيد هذا..
هل شاهدتهم حلقات الدبكة التي عقدها المواطنون السوريون الشرفاء في ساحة الأمويين صبيحة القصف العسكري الأميركي الأخير على مواقع عسكرية في دمشق وحمص؟! بماذا يحتفل هؤلاء؟! فالضربة العسكرية استهدفت بنك الأهداف التي حددها ترامب مسبقا، ودمرت ما أرادت تدميره، روسيا التي تحتل سوريا كانت على علم مسبق بالأهداف، إيران أيضا، وكما قيل فإن روسيا أخبرت رأس النظام السوري مسبقا، لهذا، ولحسن الحظ، لم يكن هناك ضحايا سوريون، لا عسكريون ولا مدنيون، أي أن الاعتداء تم بموافقة ومعرفة الجميع، وحقق الغرض منه، فهل يخبرنا أحد عن السبب الذي جعل المواطنين الشرفاء يقصدون ساحة الأمويين فجرا لعقد حلقات الدبكة رافعين صور السيد الرئيس إلى جانب أعلام روسيا وإيران غير إقناع باقي السوريين المغلوب على أمرهم أن عليهم أن يكونوا سعداء بالانتصارات المتتالية والسيادة الوطنية التي حولت سوريا إلى مقبرة كبيرة وأنقاض؟

بقلم : رشا عمران

رشا عمران