كتاب وأراء

ألم يربي فينا الإحساس

أَمْطَرَتْ سَماءُ عَيْنَيْه ما أن تَحَسَّسَ خُطُواتِ نَظراتي تَقِفُ عند الأَسْطُر التي كَتَبَها، يوم الاثنين، وهو يُجيبُ عن سؤال حول «الجديد الذي سَاقَتْهُ إليكَ أيَّامُ عطلتك»، مِنْ باب التذكير بفَنّيات كتابة السيرة الذاتية حِرْصاً على تَرسيخ المهارة.
فَقَدَتْ عيناي تركيزَهما وتَشَتَّتَ انتباهُهما كَمَوْعِد مع قُبلةٍ جَرَفَتْهُ ريحُ القَدَر بعيداً عن مُنْعَرَجات الرغبة.. أَضَعْتُ الطريقَ إلى مَكتبي، وذابَتِ الرُّؤْيَةُ كَمُكَعَّبِ جليدٍ، ثم تَداخَلَتْ عندي رَهبةُ الموقف ووَصْلَةُ رقصة الدموع في شُرْفَتَي العين.
ما أَمَرَّ الفقدان! قسوة الفقدان مُوجعة حَدَّ البكاء ومُدَمِّرَة كفيروس قاتل، لكنه يَقتلُ في صمت، ولا تَطلعُ روحُك مهما انْتَظَرْتَ أن تُطاوِعَكَ، فهي تَتَوَاطَأُ مع الأَلَم ضِدَّك، وتَقول لكَ: «كُن رَجُلاً وتَحَمَّلْ»، كما تَقول للأنثى: «كُوني أكثر من امرأة وتَحَمَّلِي»، لَكِنْ في مَعْبَدِ شيطان اليأس يَسقُط قميصُ الرجولة، قميصُ الصبر، وبالْمِثْل يَنكسرُ حذاءُ المرأة العالي، حذاء قُوةِ التحمُّل.
كُنْتُ أراهُ بِكُلّ الحماسِ مُقْبِلاً على الفُتُوَّةِ والشباب بإحساسِ مَن يَتَأَهَّبُ لِقَطْفِ رُمَّانةِ حُبِّ الحياة من شجرة صفائه الروحي، ذلك الصفاء الذي كَدَّرَتْ سماءَه نُقطةُ سوادٍ بحجم ثُقب الأوزون، إنها نقطة الموت الذي فَحَّمَ دنياه سارقاً منها الألوان دون سابق إشعار ما أن انْتَشَلَ رُوحَ أبيه وطارَ بها بِلا رجعة، طائرُ الموتِ لا يَعِدُ بعودةٍ ولا يُمنِّي بزيارة «كل سنة مَرَّة».
وَقَفْتُ وقفةَ أبي الهول والدموع تُحاوِلُ أن تَمدَّ الخُطى إلى ما وراء أَسْوَار العينين على أمل النزول وبعضُها يُسابِقُ البَعضَ الآخَر. قُلْتُ في نفسي: كيف أُنْقِذُ الموقفَ، موقف مَطَر العين الذي جَعَلَ الفتى يَتَجَمَّدُ كالصَّنَم كما لو كان الْمَشْهَدُ قد الْتَقَطَتْه عَدَسَةُ كاميرا تَصويرٍ تُجَمِّدُ الحَدَثَ؟!
لاحِقاً مَدَّ يَدَهُ إلى جيبه باحثاً عن منديل لِيَمْسحَ بَصْمَةَ الزمن الجَبَان، قبل أن تَفضحَه دموعُه المنتحرة كسِرْبِ حَمَام علَّمَتْهُ الأيَّام دَرْساً لا يُنْسَى في الاستسلام للوجع، الوجَع الذي يَسْتَدْرِجُكَ إلى الزُّهد في ابتسامَةٍ يَغارُ مِنْها فَمُ الورد.
أشواك حُزْنِه العميق ثَقَبَتْ وردةَ الحياة وغرزَتْ فيها سمَّها، تلك وردة الحياة التي تَفَتَّحَتْ في حديقة أيامه التي كانَتْ مُشْتَعِلَةً اشتعالَ قصيدةِ حُبٍّ. الألَم! الألَم يَكتُبُنا بِلُغَة الْمَحْو، لكنه في الْمُقابِل ألَمٌ يُرَبِّي فينا الإحساسَ مهما اعتصَرَ الألَمُ الأنفاسَ!
كيف يُنقِذُ الموقفَ هو الذي لا يَعلمُ أنني بِدَوري تَسَمَّرْتُ في مكاني، وغاب عن يَدِي أن تَقْفِزَ إلى جَيبي علَّ أصابعي تُفْلِحُ في القبض على منديل يُلَمْلِمُ نَبْضَ صرخةِ قلبي الباكي قبل أن تَلفظَها العينان.
ما أَشَدَّ وطأةَ شِتائِكِ الذَّبَّاح مَطره يا عيون! ما أَشَدَّ وَقْعَ خنجَرِكَ يا حُزْنُ وأنتَ تَنال مِنَّا في لحظاتٍ تُغَيِّرُ مَسارَ حياتنا وتَعقدُ مصالحتَنا مع جيش الهزيمة في معركة الزمن الْمَيِّتَة، كيف لا تَكونُ مَيِّتَة وخُيولُنا تَخسرُ فيها وتَسقط تباعا؟!
حياةٌ صغيرة يَقلبُ الحزنُ طاولتَها لِيُحَوِّلَها إلى خشبةِ مسرح كبيرة نَتَنَاوَبُ فيها على البطولة حُزْناً، وفي كُلِّ مَرَّة يَنْتَفِضُ البَطَلُ الأمَّارةُ رُوحُه بصُعود إلى سماءٍ ما بعدَها أرضٌ ولا مطر سِوى الدموع.
نافِذَةُ الرُّوح:
«تَحْتَ قُبَّةِ الصمتِ الْمَريرِ طُيورُ الحُزْنِ تُحَلِّقُ».
«مَوْسِمُ الحُزْن يَجْرَحُ وردةَ القلبِ ويَخدشُ أُنوثَتَها».
«الموتُ يُعيدُ رَسْمَ خريطة الإحساس بالحياة، فإِمَّا أنْ يَدفعَكَ إلى أن تَضَعَ حَدّاً لها، وإمَّا أن يَقتلَ غريزةَ حُبِّكَ لها فَتُدفَن حَيّاً».
«شِفاهُ الأَمَل في مُعانَقة عصافير الحُبّ يُدْمِيها الألَمُ».
«مَوكِبُ الحُزْن يَحفرُ في الخُدود حُفَراً لا يَرْدُمُها النسيان».
«تَمَدَّدِي يا دُموع، فالفَصْلُ حُزْنٌ، ولا تَحْلُمِي بِمَوْعِد مَع قُبْلَةِ فَمِ الابتسامة».
«الفَرحةُ تَحْزِمُ أَمْتِعَتَها وتُغادِرُ عيونَ القلب التي تُضْرِبُ عن الرُّؤية كُلَّمَا عصفَ الحُزْنُ».

بقلم :د. سعاد درير

سعاد درير