كتاب وأراء

في التربية

في المرحلة الثانوية، حسب المنهاج الفلسطيني في حكومة الانتداب البريطاني، يتم إعداد الطالب ليكون ملمّاً بالعلوم والآداب كافّةً، ولا يكمل تلك المرحلة إلا المتميّزون من الطلّاب.
وفي مدرستنا الإمام الشافعي الثانوية للبنين في غزة، التي تخرّج فيها الأستاذ توفيق يوسف القيسي، رئيس توجيه العلوم الأسبق في وزارة التربية والتعليم القطرية، تخرّج كذلك عددٌ من ألمع العلماء والأطبّاء والمهندسين، في العالميْن: العربي، والأجنبي، أذكر منهم: عبدالله فرحات، وكان من أوائل طلاب إتمام الدراسة الثانوية «المتريكوليشن» في فلسطين (إن لم يكن الأول)، وأكمل دراسته العليا في لندن، وتبوّأ مركزاً مرموقاً في معهد الذرّة البريطاني، ومحمد سالم كان كذلك، وفؤاد زيد الكيلاني الذي كان الأول على عموم فلسطين في آخر امتحان لشهادة المتريكوليشن. وحين تقدم لدراسة الطب في جامعة فؤاد الأول «القاهرة»، طُلب منه معادلة شهادته بالتوجيهية المصرية، ليتسنّى له دخول الجامعة، وقد كان، ونال في امتحان التوجيهية مركزاً متفوقاً على عموم طلاب التوجيهية- آنذاك- في القطر المصري، وتخرج طبيباً متخصصاً في القلب، وتولى- فيما بعد- وزارة الصحة في الأردن. وفي دفعتي نال عبد السلام سكيك المركز الثالث على عموم القطر المصري في شهادة التوجيهية شعبة الرياضة، وكان زميله باسم خليل أبوغزالة السابع على عموم مصر في الشعبة ذاتها.
هذا التفوق لأبناء جيلي، والأجيال السابقة، يرجع لقوانين الدراسة في المدارس الأميرية، حيث يتم فرز المتميّزين من الطلاب في مدارس القرى، وإلحاقهم بالمدارس الأميرية في المدن، وقد يُسمح للطالب بأداء الدور الثاني، لكن لا يُسمح له بالرُّسوب، لذا كانت تلك المدارس معاهد للدارسين الجادّين الذين يلقون رعايةً واهتماماً من أُسَرهم أو ممن يتمتّعون بالموهبة والذكاء الفِطريّ.. ولم نكن نعرف حكاية المدرّس الخصوصي، ويتناظر مع هذا المنهاج التربوي التعليمي: الاهتمام بالتربية الرياضية.
كان مدير مدرستنا الأستاذ ممدوح الخالدي مربياً مهيباً حازماً، لم يفلت من خيزرانته أيٌّ منا، ولم يرَ ابتسامته- بجانب الموهوبين والمتميّزين-، إلا «العُمَد» الرياضيّون، هؤلاء كانت لهم مكانةٌ عنده، لذا كان في مدرستنا: الإمام الشافعي أقوى فريق في كرة القدم: هاشم حسنين، صبحي نبهان، داود السروجي «دودو»، زهير العلمي، غازي شبلاق، الحجّاوي، ريتشارد غطاس، جريس المعصراني، إبراهيم الزرد، بسام الغلاييني.. وغيرهم. كما أن مدرستنا كانت مفرِّخةً لأبطال ألعاب المضمار والقوى. مَن في غزة لا يعرف عبد الكريم عبد المعطي، أو سيد بكر، أو حسن أبوغزالة، أو شفيق المعصراني، أو رفيق خلف، أو غيرهم من أبطال ألعاب القوى على مستوى اللواء الجنوبي في فلسطين؟
في هذا الجو التربوي، ووسط هذا الإعداد، دخلتُ المرحلة الثانوية، بصحبة شلةٍ من أنبل، وأخلص الزملاء الذين تلقّنت معهم العلوم والمعارف، وتفتحت ملكاتنا ومواهبنا على الفنون والتاريخ بعبقه الماضي ومرارته الحاضرة، تحت رعاية معلمين أكفاء، ووفق مناهج تربوية لم تغفل التعليم التكميلي ليكون القاطرة الموازية للمنهاج العلمي.
تلك هي التربية إن شئنا إعداد أجيالٍ تحمل أمانة الحفاظ على الوطن ورفعته.

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل