كتاب وأراء

هولدرلين وسلطة الحب

في كوكب يَكفر بالحُبّ لا غرابة أن تَجِدَ المرءَ يَشطر قطعةَ القلب ويُمَدِّدُها في نصف رغيف، كما يُمدِّدُ قطعةَ لحمٍ مشوية قبل أن يُلقي بها في حُفرة فَمِه لِيَقضمَها قضما.
لا جدوى من أن تَحسب حسابا لمحرك الإحساس مادمتَ يا إنسان لا تُؤمِن بالمشاعِر ولا بعقيدة بحر العواطف الثائر، ذاك البحر الذي يُغريكَ بأن تَرتميَ في أحضان موجه، موجةٌ بِحضن تُغريكَ، وموجة لا تَأتي لكنها تُمَنِّيكَ.
أنتَ الذي تَرى كم تَتوق إلى أبعد نقطة في قاع بحر الإحساس، ها أنتَ تَشتعل رغبةً في الاعتراف بدستور الحبّ، صَدِّقْ يا صديقي أنه الحُبُّ الذي لا يعترف بغير المجانين على حَدّ تعبير مَن هُمْ فيه مِن الزاهدين.
ستَرشقكَ العيون الجافة أنتَ الطالِع نخلةَ الحُبّ، ستَرشقكَ بنظرات تُشَكِّكُ في سلامتك العقلية وأنتَ تتفانى في التضحية، وستَنعتك الأيادي القذِرَة بنعوت تَصبُّ في قالب العته، وما ذنبُكَ أكبر من أنكَ سَلكْتَ درب العاشقين، أنتَ، أنتَ الذي بَلَّلَكَ الشوقُ والحنين.
حصان الحَرْف يَجرّ عَرَبَةَ المعاني إلى غابةِ عباقرة الزمانِ، عباقرة أولئك الذين سافروا سفرا بلا رجعة، لكن شمس رؤاهم الإبداعية والنقدية على امتداد ما سَطروا تَحضر وتَغيب.
بين البقاء والعودة، أقلامُهم تَعْتَصِرُ الشهدَ، شَهْدَ الحرف الذي يُغري بقيلولة على سرير الكلمات، هنا سَتُداني الحُلْمَ بالرغبة في قطف خوخ بستان الحُبّ، الحُبّ الذي كلما استدرجَكَ إلى أشجاره رَقَصْتَ نَشوان وأنتَ تَدور حول نارِه.
إلى سماء لاوفن LAUFFEN يَشدُّ بنا بساطُ الحرف الطريقَ، فتَحْتَ قُبَّتِها لنا موعد مع الشاعر الألماني يوهان فريدريش هولدرلين JOHANN FRIEDRICH HOLDERLIN.
ومَن يَكون يوهان هولدرلين هذا سوى العاشق الذي لَقي حتفَه تحت وطأة طاحونة الحُبّ، وأيّ طاحونة؟! إنها تلك التي تقول لك: «لا تَحلم، لا تَحلم بنجاة أو فِرار، فالفصلُ فصل العشق، وهذه ليلتي»!
عبقري مجنون مسكين أَسْكَرَتْهُ خمرُ الحنين، هذا هو صاحِبُنا يوهان هولدرلين الذي طَوَّقَتْهُ عصا الحُبّ، وقد تحولَتْ إلى ثعبان، بعد أن ماتت حبيبتُه وأَرْهَقَهُ الفقدان، أرهقَه حَدَّ أن يَخْتَلَّ ميزان عقله.
الغريب في حكاية هولدلين أنه هو نفسه، هو المسكين، لَمْ يَنتبه إلى البئر العميقة الذي اسْتَدْرَجَتْه إليها عاطفتُه المجنونة، فإذا بالقَدَر يَكتبُه قصيدةً حزينة هو الذي أَلْهَمَتْهُ رَبَّاتُ الشِّعر، وجِنِّياتُه، ما لا يُشَجِّعُ شاعرا على أن يَقول ما تُلهمُه به فَتاتُه.
هولدرلين لَم تَحرق قلبَه فَتاة، لكنها كانت زوجةً وأمّاً تلك التي لفحتْهُ من أجلها جمرةُ الحُبّ، فلا أحد، لا أحد يُصَدِّقُ أن الرقيق هولدرلين أُغْرِمَ بأُمٍّ تسلَّلَ إلى بيتها بصفته مُدَرّساً لأبنائها، بعد أن ضاقَتْ به سُبُلُ طَلَب الرزق، دون أن يُفَكِّرَ في أن خنجرَ الحُبّ المشتَعِل سينغرز في قلبِه ليحرقَه حَرقا قبل أن يَذبحَه ذبحا.
سُلْطةُ الحُبّ تُعَلِّمُكَ أن تَنْقَادَ ذليلا لِتَمْتَثِلَ لقانون القلب الذي لا يَرضى بهزيمة إلا في معركة الحُبّ التي يَتهيأ لها مُنْبَطِحاً في ساحة الوغى.
الانتظار جدارٌ تُصلَبُ أنتَ عليه كلما وخزَتْكَ شوكةُ الحُبّ، تلك الشوكة أَمَّارة بانهيار، فكيف لنا ألاَّ نُصَدِّقَ إلى أي مدى عبثت بهولدرلين الذي خأنه أن يواصل الاستماتة بإصرار، إذ يتعطل قطارُ الأيام بعد أن يرتطم الغرام بصخرة الفراق، ويصرخ القلب الراكض حنينا إلى الحبل السري الذي كان يوافيه بقوت القلوب.
لم يَكن يوهان هولدرلين يَطرب لنعيم الحياة في غياب الإحساس، ذلك الغياب حَوَّلَ كُلَّ شيء إلى جحيم يُمَرِّغُ في تراب التشظي النَّفْسَ التوَّاقةَ إلى الإبحار في الطمأنينة..
مَن يُقلقُ راحةَ العُشَّاق التي يَتوق إليها القلبُ الذَّوَّاق؟!
سوزيت الحبيبة كان رحيلها بالنسبة لشاعر رقيق بمستوى إحساس هولدرلين مُعادِلا لرحيل الملائكة بعيدا عن غابة الشياطين.. إنه الرحيل الذي لا تُسكِتُ نساءُ الدنيا كلهن صراخَ أمعائه، فلا واحدة منهن تَملَأُ الفراغ الذي خَلَّفَتْهُ سوزيت تمردا على زواج فاشل سرعان ما كَسَرَتْ زجاجَ نوافذه عاصفةُ الحُبّ التي دفعها هولدرلين دفعا لِتَجرف سيدة قصر القلب. الوعي الديني الذي اكتسبه هولدرلين، التربية الدينية التي وجَّهَتْه إليها اُمُّه، ذاك وتلك لا فائدة من استثمارهما بعد أن تيقن هولدرلين من أنه لن يَجد ضالتَه في خيمة الوعظ والإرشاد.
والتعبئة الدينية التي تلقاها تمهيدا للعمل في حقل الوعظ، ذاك الذي تُرَتِّبُ الكنيسة لحرثه، أَغْمَضَتْ عينيه عن صلوات كان عليه أن يَقودَ بها طُلاَّبَه إلى باب الرَّبّ، فإذا به يَجد نفسَه قد تفرغ لصلوات الحُبّ مستجيبا لنداء العاطفة التي ساقَتْه إلى منعرَجات العشق الممنوع.
لكن لِمَ لا نَقول إن هذا العشق قد رَبَّاه على المثالية، المثالية في الإخلاص لمن يُحِبّ، تَليها أشكال أخرى تَرسم مستقبَلَ عالَم المثُل الذي بَنَى عليه خَطَّ تفكيره.
والهَوى الذي هَوَى بالشاعر هولدرلين إلى قاع الجنون لم يُعْفِ الروحَ من السُّمُوّ صُعودا إلى بُرج السلام الغائب كنص والمتحقق كتَصَوُّر يَليق بالجوارح أن تَشدَّ الطريقَ إليه.
إن تَعَلُّقَ هولدرلين بأهداب عيون قَلْبِ سوزيت المنخرطة في أنشطة مؤسَّسة الزواج يَجعلُ سوزيت حمامةً ليسَتْ للسلام الروحي، لماذا؟! لأن يوهان هولدرلين وإن كان قد عَقدَ المصالَحةَ مع بيت الشِّعر فإنه قد سَجَّلَ القطيعة مع الذات.
شاعِر يَكونُه هولدرلين يُمَجِّدُ الحُبّ ويَصبو إلى المثُل ويَرفع صوتَ الإنسان الغارق في قيوده وأصفاده لم يكن من اليسير أن يَستأنِفَ رحلةَ الحياة بعد اندلاق كأس الأمل التي كان يَرشف منها رشفات تُصَبِّرُه على المسار البائس والمصير الْمُعَلَّق.
سوزيت التي لم يكن بينها وبين هولدرلين مسافة عمرية كانت بمثابة النافخ في نار الشِّعر التي أضاءَتْ العالَم بِقَدْرِ ما أحْرَقَتْ غابةَ انتظار الشاعر.
لذلك ظل شعر هولدرلين فخرا لألمانيا، إنه الشعر الذي اتخذه صاحبُنا شمعة تَكْفي ليُذيبَ بها مُكَعَّبَ الليل الجاثم كجَبَل لا تَهدُّه عاصفة، واللوم، كُلّ اللوم، على العاطفة، تلك التي أعادَتْ إلى ألمانيا بهجةَ الحَرف ورَوْنَقَ المعنى وبريقَ الإبداع، لكنها في المقابِل سَطَتْ على ممتلكاتِ قلبٍ تُؤَثِّثُ فضاءَ حياةٍ لم يَكن هولدرلين يوما بَطَلَها ولا كان فارِسَ أحلامها الشَّقِيّ.
بقلم :د. سعاد درير

سعاد درير