كتاب وأراء

مــقــتــطــفــــات صــحــفــيــــة

• في صحيفة عربية مشهورة جداً قرأت لكاتب يقول إنه شاعر ومترجم ومؤلف ورسام مقالاً عـنوانه «ظرافات القـلم» ومن الواضح أنه يعـني ما يأتي به القلـم من الظرف. و«الظـرف» كلمة تحـمل الكثـير من المعـاني الجميلـة. الظـرف هـو البراعـة والذكاء، وقيل: هـو حُسـن العـبارة، وقـيل: الحِـذق بالشـيء، وقال الأصـمعي: الظـريف البليـغ الجـيد الكلام، وقـالـوا: الظرف في اللسـان البلاغة، وفي الوجه الحسـن، وفي القلب الذكاء، والظريف مشـتق مـن الظـَرف وهـو الوعـاء (ألسـنا نقـول الآن ظـرف الرسـالـة؟) فـكأن الظريـف وعـاء للأدب ومكارم الأخلاق، ونقول: ظـرُف ظـَرْفاً، ويجـوز في الشـعر أن نقـول: ظرافـة، وهي التي جاء بها الكاتب وجمعها، لكنه لم يكن يقول شعراً، أما كان يستطيع القول: ظرف القلم؟ فإذا أراد الجمع قال: من حكايات القلم الظريفة.
ولسـت أسـتغرب هذا ممن يقـول «في ذات الملجأ» وأدوات التأكيد: نفـس، وعـين، وجميع، وعـامة، وكلا، وكلتـا، وكل، وليـس بـينهـا «ذات» وكقاعـدة يـعـرفهـا المـبتـدؤون: لا يـأتي «المؤكــِّد» قـبل المؤكـَّد كما هـو شائع الآن، فلا نقول: نفس الرجل، بل نقول: الرجل نفسه، والجبل عينه، فكيف إذا كانت الأداة التي استخدمها غير صحيحة؟
أو ممن يـقـول «وأصبحت السـاحة مـلوثـة بذروق الحـمام» ولا وجود لهـذه الكلـمة، بل هـو «الذرْق» ويقابل غائط الإنسان.
• نبهـت كثيراً إلى خطأ شــائع في لغـة الصحافـة والأخبار هو «التـواجد»: وقال بعض الذين كانوا متواجديـن في مكان الحادث، وقد اسـتعملت قوات الأمن المتواجدة في الشـارع. كتب كاتب يزين اسمه بلقب دكتور «لماذا هذا التواجد الغريب على الأرض السورية» والتواجد: ادّعاء الوجْد، وهو يشـمل معاني كثـيرة في الغـضب والحزن وغيرهما، لكنه شـبه مختص بالحب، نقول: وجد بها وجْداً شـديداً: إذا كان يهـواها ويحبها. أما المقصود في الأخبار فهو الوجود، من فعل: وجد الشيء.
• أحد الأصدقاء الأعزاء جداً خبير باللغة العربية، وكثيراً ما نتبادل الرأي حول كلمة أو مصطلح أو تركيب لغوي، ووجدت له في إحدى مقالاته «فبقية هـــذا الحديث لاغيـــة» وهــو يعني «مُلغاة أو ملغية» وتـــرد كلمة «لاغية» كثيراً في القرارات والقوانين والأوامر الإدارية بالمعنى الذي قصد إليه صديقي الكاتب.
وقد يعترض معترض على الكلمة، ليقول إنها اسم الفاعل المؤنث من الفعل «لغا يلغو لغْواً» وقد ورد المصدر «لغو واللغو» تسع مرات في القرآن الكريم، ومنها «لا يؤاخذكم الـلـه باللغو في أيمانكم». ولغو اليمين مثل قولنا «لا والله، بلى والله» وهي اليمين التي يحلفها الإنسان ساهياً أو ناسياً دون أن يطمئن قلبه. ووردت كلمة «لاغية» مرة واحدة في سورة الغاشية «في جنة عالية، لا تُسمع فيها لاغية» وهي هنا الفاحشة، واللاغية هي اللغو، لكنها تعني أيضاً المـُلغاة، وفي الحديث الشريف «والحَمولة المائرة لهم لاغية» أي ملغاة لا تُعدّ عليهم ولا يُلزمون لها صدقة، وورد اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، كقوله تعالى «فهو في عيشة راضية» (الحاقة والقارعة) والمقصود بها مرضية. وقال الحطيئة يهجو الزبرقان بن بدر:
دع المكــارم لا تــرحــل لبُغـيـتـهـــا
واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
وظاهر الكلام المدح، لكنه هجاء لاذع «إنك لست أهلاً للمكرمات، فأنت بحاجة لمن يُطعمك ويكسوك».
• كنا مرة في مجلس أحد المسؤولين، وهو من المهتمين باللغة وعشـــاقها، وسأل الرجل أحد الجالسين سؤالاً، وكأن هذا أحب أن يتفاصح فقال: لا أخفيك أنني.. وقاطعه المسؤول قائلاً: بالطبع لا تخفيني، ولا تستطيع إخفائي، وخجل المتفاصح. ولم أكن أدري أنني سأقرأ مثل هذا مرات كثيرة، منها ما قاله كاتب في صحيفة مشهورة: لا أخفيك أن هذه الصيغة مدعاة للضحك، وبالمصادفة قرأت في اليوم نفسه في إحدى صحفنا المحلية: ولست أخفيكم أنني لم أعرف المكان، والاثنان على خطأ. نقول: أخفى عليه الأمر: كتمه، إذن كان على القائل والكاتبين القول: لا أكتمك، أو: لا أخفي عليك. وورد الفعل «كتم» ومع الضمائر وتنويعاته: نكتم، تكتمون، تكتموا، يكتم، يكتمها، يكتمن، يكتمون، 21 مرة في القرآن الكريم. قال بشار بن برد:
لا أكـتـم الناس حب قاتـلتي
لا لا ولا أكره الذي ذكروا
ونلاحظ أن الفعل «أكتـُمُ» تعدى إلى مفعولين: الناس، حب قاتلتي.
• عودت نفسي وتعلمت منذ زمن بعيد ألّا أرفض العلم من أي جهة جاء، لا يهمني أن يكون القائل صغيراً أو كبيراً، من ذوي الخبرة أو من عديميها، وأذكر أن مبتدئاً لفت انتباهنا ذات يوم إلى خطأ يرتكبه المذيعون جميعاً وهو قولنا «وِفق» بكسر الواو، وقال إن الصحيح هو «وَفق» بفتح الواو، وتأكدت من الكلمة، فوجدته يقول الصواب فعلمت نفسي، ونبهت الآخرين إلى هذا التصويب الذي جاء من حيث لا نحتسب. نبهني أحد الأصحاب (وليس ممن يُعتد بلغتهم) إلى أن كثيرين يخطؤون في كلمة «لثغة» فيقرؤونها بفتح اللام، بينما الصحيح أنها بضم اللام «لـُثغة» وهي أن تعدل الحرف إلى حرف غيره، فهو ألثغ وهي لثغاء، وأشهر أنواع «اللثغة» من يقلب الراء غيناً، وأشهر من ابتلي بهذه اللثغة واصل بن عطاء، وهو مؤسس ورئيس المعتزلة في الفكر العربي، وكانت لثغته بالراء بشعة، فعلم نفسه لفصاحته أن يلقي الخطبة ارتجالاً دون أن يكون فيها «راء» واحدة مهما طالت.
• هل ألعن الساعة التي تولهت فيها باللغة العربية فصارت عشقي الأبدي؟ قد «يغبطني» بعضكم على هذا، ولكنني لا أتمنى لصديق أن يبتلى بمثل هذه البلوى. لم أعد أستطيع الاستمتاع بقراءة أي مقال أو «خاطرة» أو تعليق أو فكرة، فهذا «الشرطي اللغوي» يقفز قبلي، ويصدِّع رأسي بتنبيهي إلى الأخطاء التي فيما أقرأ.
قرأت مقالة جميلة رائعة لكاتبة أحترم آراءها وجرأتها في الحق. والمقالة خطيرة، ولذلك تقول «سأندم على كتابة هذا المقال» ولكن الشرطي اللغوي «خرَّب» متعة القراءة. «دوماً ما كنت أروّج للأمل» لمَ هذه الركاكة؟ لماذا لم تقل «كنت دائماً أروّج للأمل» وهذا أبسط من قولها «سيبقى العلماء مضطهدون والمفكرون ملاحقون، وسيبقى المختليفون موصومون» والمقالة مكتظة بمثل هذه الأخطاء التي لا يجوز مطلقاً أن تقع فيها كاتبة تحمل درجة الدكتوراة.
• تجرأت كاتبة شهيرة جداً جداً على المتنبي، وقد أغفر لمبتدئ القول «وكما قال الشاعر» ولكنني لا أغفر للمخضرم، مع أن الأمر لا يكلفه أكثر من «نقرة زر» على لوحة المفاتيح. قالت الكاتبة الشهيرة: وكما قال الشاعر:
ومن نكد العيش على الحر أن يرى
عـدوّاً لــه مــا مـــن صـداقــتـه بــدُّ
وهذا البيت من حكم المتنبي الخالدة، وهو من البحر الطويل، لكن الكاتبة أخرجته من البحور كلها، فالبيت في الأصل:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عـدوّاً لـه مـا مـن صـداقـتـه بُــدُّ
رحم الـلـه الأيام التي لم يكن فيها «كومبيوتر» وكنا نضطر إلى العودة إلى الدواوين، ونسأل الأعلم، ونتشاور للوصول إلى الحقيقة.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين