كتاب وأراء

تعلموا من ناتالي بورتمان

يتذكر جميع محبي السينما الفيلم الأميركي الرائع (البجعة السوداء) والذي حصل على جوائز أوسكار عديدة، وحصلت بطلته الممثلة (ناتالي بورتمان) أوسكارها الأول عنه، كما حصلت على جائزة غولدن كلوب عن نفس الدور الرائع الذي أدته في الفيلم، ناتالبي بورتمان هي ممثلة تحمل الجنسيتين الأميركية والإسرائيلية، لها من العمر سبعة وثلاثين عاما، وبالنسبة لإسرائيل تشكل بورتمان واحدة من ايقونات الوطنية الإبداعية الإسرائيلية، وهو ما حدا بإسرائيل منحها جائزة (جينيسيس برايز)، وهي جائزة أوسكار إسرائيلية وتبلغ قيمتها المادية مليون دولار، عدا عن قيمتها المعنوية لمواطنة إسرائيلية، لكن ما حصل أن بورتمان رفضت الذهاب إلى إسرائيل للمشاركة في حفل الأوسكار الإسرائيلي واستلام الجائزة، قائلة إنها لن تكون مرتاحة وهي تستلم جائزة من حكومة إسرائيل التي تقوم حاليا بقنص أطفال غزة، وتشن حربها على الفلسطينيين الغزاوين، ستبدو وكأنها داعمة لسياسات نتانياهو بخصوص الفلسطينيين، وهي ما ترفضه تماما، هكذا ببساطة شديدة رفضت بورتمان مليون دولار وجائزة وطنية كبيرة، وهي تعلم علم اليقين مدى سيطرة اللوبي الإسرائيلي على صناعة السينما في هوليوود، ومدى ما يمكن أن يتركه موقفها هذا من أثر سلبي على مستقبلها الفني في هوليوود.
لا يمكن لأي كائن بشري إلا أن يحترم موقف هذه الممثلة الرائعة التي تحاول أن تبني سمعة إنسانية وأخلاقية إلى جانب سمعتها الفنية، متجاوزة أي انتماء آخر خارج عن انتمائها الإنساني، ولا يمكن، في الوقت ذاته، لأي كائن بشري يحترم آدميته وإنسانيته إلا أن يقارن موقفها أولا بمواقف الكثير من (المبدعين) العرب الذين لا يجدون حرجا في التعاون من الإسرائيليين في أي نشاط ثقافي أو فني دولي بذريعة أن لاعلاقة للسياسة بالفن والإبداع، وبضرورة الفصل بينهما، فالمبدعون الإسرائيليون، حسب هؤلاء، ليسوا هم من يقوم بقتل الفلسطينيين، ومعظمهم ولد وعاش في فلسطين/ إسرائيل، ولا ذنب لهم في الاحتلال، ورغم أن هذا الكلام في وجه منه قد يكون صحيحا، ولكن يفترض بالمبدع أن يعرف تاريخ بلاده أولا، وأن يطلق موقفا يعبر عن رأيه في سياسات حكومته إن كان رافضا لها، خصوصا وأن إسرائيل دولة تحافظ على صورتها الديمقراطية مع مواطنيها، ولا تحاسب مواطنيها على مواقفهم السياسية تجاهها على غرار الأنظمة العربية.
وثانيا: سيخطر على البال مباشرة موقف نجوم الشاشات والمثقفين العرب مما يحدث في بلادهم، أو على الأقل مما يحدث في سوريا، التي تشهد مجزرة غير مسبوقة، متواصلة منذ سبع سنوات، فإذا كانت إسرائيل تقتل الفلسطينيين، فإن ثمة مبررا يمكن لإسرائيل ولداعميها من إسرائييلين وغيرهم الاتكاء عليه رغم عدم أخلاقيته، وهو أن هناك عداء تاريخيا بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأن الصراع بينهما هو صراع وجود، فما هو العذر الذي يمكن أن يتكئ عليه مؤيدو النظام السوري من المبدعين السوريين والعرب، وهو يقوم بقتل شعبه وتدمير بلده واستجلاب المحتل وراء الآخر إليها! هل من أي عذر لهؤلاء في دعمهم اللاأخلاقي لهذا النظام، أو لغيره من أنظمة القتل العربية؟! فإذا كان البعض منهم صامتا ومتجاهلا كل ما يحدث، فإن الغالبية من هؤلاء تعلن تأييدها العلني والواضح لسياسات النظام السوري، وتطالبه بالمزيد من قتل السوريين تحت ذريعة أن النظام يقتل الإرهابيين! هل نطلب من هؤلاء أن يتعلموا من ناتالي بورتمان كيف تكون الإنسانية والأخلاق والاتساق المحترم بين السمعة الإبداعية والإنسانية، أم أن الإنسانية جزء من الطبع ولا يمكن تعلمها؟!
بقلم : رشا عمران

رشا عمران