كتاب وأراء

العاطلون عن الأمل

في أكثر الأوقات، نُضْرِبُ عن الإحساس بالحياة، ولا نَجِدُ، لا نَجِدُ طعماً لأيامنا الراكضة بِنا رَكْضَ الحصان الناوي على نِية.
أيامُنا طَبَق زَهد فينا وزَهدْنا فيه، وكؤوسُ الحياة ما عادت تُضْمِرُ تَعَطُّشَنا إلى ما يُحْيِي القلبَ الميِّتَ، كُلُّ فطيرةِ حُلْمٍ يَنقصها الملحُ، كُلُّ كَعْكَةِ حَظٍّ يَنقصها السُّكَّرُ.
نُحِبُّ، نُحِبُّ كالْهُبْل، وفجأةً يَفِرُّ الحُبُّ هارباً مِنَّا وكأنه خَلَّفَ خَلْفَهُ عفريتاً، يَفِرُّ الحُبُّ بعيداً ولا يَتركُ لنا إلا لِحْيَتَه، ولحيته تِلْكَ لا جَدوى من أن نَكنسَ بها ترابَ الخيبة.
يَجُرُّ الواحدُ منا ذَيْلَ الخيبة بعد أن يَقطعَ رأسَ الأمل، والأيَّامُ ما هي إلا حصان مجنون تَراه في كل مرة يَقلبُ عَرَبَةَ الأمل ويُلْقِي بها في أَقْرَب هاوِية.. هكذا هِيَ دُروبُ حياتِنا الخاوية، دُروب لا تَقُودُنا إلى غير بَوَّابَة جهنم.
في غياب الأَمَل ما العَمل؟!
في غياب الأمَل كم مرة تَحْتَرِق في كُلّ وقت وحين، وما ذَنْبُ قلبِكَ المسكين حتى لا يَجِدَ مَن يَسْتَحِقُّ أن يَنبضَ له؟!
الزمنُ اللعين يُلْبِسُنا عباءةَ النسيان، ويَدفعُ منديلَ الحِكمةِ دَفْعاً إلى السقوط لِيَتَلَوَّى كالثعبان قبل أن يُحْكِمَ رَبطتَه حول خُصورنا من باب إلهائنا عن التفكير في رتابة الْمَلَلِ الذي يَحضُرُ في غياب الأمَلِ.
تَعْمَى البَصيرةُ، ويَعْمَى البَصَرُ، ويُدَرِّبُ الخَواءُ خُصورَنا على رقصة العَبَث بما تَبقَّى مِن آدَمِيةٍ لا تَحْفَظُ ماءَ وُجوهِنا، ولا يَأتِي الْمَطَرُ. الأمَلُ هو ذاك المطرُ الذي يَعِدُ بعودة، لكنه يَرْحَلُ بلا رجعة.
لا الْمُحِبُّون يَطيبُ لهم مَوْسِمُ الْحُبِّ في غياب رَبيع البَقاء ذاك الذي يُرَطِّبُ أوراقَ خريف التفكير في الرحيل غفلة.. ولا الأزواجُ الْمُتْعَبون يَعْرِفُونَ سِرَّ الحُكْم على قَفَصِ زواجِهم بِأَنْ يَظَلَّ مُعَلَّقاً بِغُصْن شجرةِ الحرمان التي تَكْبُرُ وتَكْبُرُ لِتَأكُلَ رَغْبَتَهم في الإحساس بِسَكينة المتزوجين التي يُمَزِّقُها الروتين.. ولا الْمُوَظَّفون الحالِمون يَنْتَبِهُونَ إلى أَنَّ اللَّهْفَةَ تَمْتَصُّ دماءَهم دون أن يَنجحوا في تحقيق شيءٍ مِن راحةِ البال التي يَتَفَوَّقُ فيها عليهم الْمُتَقاعِدُ جَيْبُهُ.. ولا حمامةُ البيتِ، ومولاتُه، تَسعدُ بالتساكن إلى مَنْ كان يَقولُ إنها روحُه، وحَياتُه، بَعْدَ أَنْ اقْتَلَعَ طُولُ انتظارِها له أسنانَ شَوْقِها إليه هُوَ الذي لا يَعودُ إِلاَّ لِيَنامَ..
هؤلاءِ وأولئكَ ليس أمامهم إلا أن يَعيشوا لِيَقتُلَهم شيئاً فشيئاً الأمَلُ الغائبُ، ليس أمامهم إلا الموت ببطءٍ بعيداً عن خَطّ الرجعة.
نافِذَةُ الرُّوح:
«الأمَلُ قُرْصٌ مُهَدِّئٌ».
«كَمْ يَلزمُنا مِن رَحيلٍ لِنُنْقِذَ مَشاعِرَنا الحالِفَة أَلاَّ تَصْمدَ؟!».
«يُوَشْوِشُ الوَرْدُ: أَتَرْحَلِينَ ويَبْقَى عِطْرُكِ؟! وأُجيبُه: يا مَنْ كُنْتَ تَغارُ مِنِّي، قصائدُ الحُسْنِ والجَمال نَسَجْتُ منها قَميصاً ما عادَ يَليقُ بي بعد أن غابَ مُلْهِمي».
«مِنَ الْمُجازَفةِ أَنْ يَسْرِقَ الليلُ ضحكةَ الشمسِ إِرْضاءً للقمر الطامِع في اتخاذِها مَحْظِيَّة».
«أُعِيدُ تَرْتِيبَ بَيْتِ الحِكْمَةِ وَأَنَا أُرَبِّي الصَّبْرَ».
«اِهْدَئِي، اِهْدَئِي يا جِبال الشوق، وأنتِ يا ألسنة نيرانِها نامي!».
«مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَرْحَلَ البحرُ ويَتَجَرَّدَ العِطْرُ مِنْ رائحَتِه ويَقَعَ القَمَرُ أَرْضاً!».
بقلم :د. سعاد درير

سعاد درير