كتاب وأراء

مسألة فيها نظر

أمعن سيف الدين النظر في المكان من الداخل، كانت المرة الأولى له في «مقهى الأنذال»، المقهى لا يلفت نظر السابلة، أو عابري الطريق، فعنوانه يشي بأنه واحدٌ من المشارب الإنجليزية المعروفة بِـ«البوب»، وروّاده لا يقتصرون على فئةٍ اجتماعيةٍ بعيْنها، ففيهم الطالب، والمحامي، والطبيب، ورجل الأعمال، وفيهم العاملات، والمتسوّقات من ربّات البيوت.
سيف الدين حديث عهدٍ بهذا المجتمع الفسيفسائي، الذي تغلب البسمة والرضا على وجوه أبنائه، الذين يطفئون لظى القلب بما يتعاطون من شرابٍ، مع أجنحة الدجاج المقلية، وهي الوجبة الأشهر والأكثر تناولاً في مثل هذه المقاهي والمشارب، لا جَلَبَة في مجالسهم، ولا خبطا على الطاولات، أو حلف أيْمانٍ مغلظةٍ، وزعيقاً، أو اختلافاً على زعيمٍ أو داعيةٍ كما هي الحال في بلدته الصغيرة، الواقعة في مشاريق نابلس.
صحيح هناك كان ينعم بأطيب نَفَس أرجيلة بالتمباك العجمي، بعد طبق كنافة نابلسية، لكن تلك القعدات لم تعد متوافرةً، بعد أن «هجَّ» معظم الرفاق أو تواروا خشية الاعتقال، ولم يبقَ من الشلّةِ إلا القليل، مما حمله على أن يستلف من عمّته الحاجّة صالحة ثمن تذكرة السفر إلى كندا، حيث يصيب هدفيْن: إكمال دراسته العليا، والحصول على جنسية تضمن له إقامةً آمنةً.
في مهجره، وبعد أن نجح في تسجيل اسمه في كلية الهندسة التطبيقية، اقترح عليه رفيقٌ عربيٌّ أن يعمل سائقاً على سيارة أجرة، في أوقات فراغه، فمنها يستطيع تجميع أقساط الدراسة، ومنها يدبر أمور عيشه، ويتعرف على الناس، فسائق التاكسي يعتبر بيتاً للأسرار، كما أخبره رفيقه الذي يعمل سائقاً كذلك..
اتخذ الرفيقان من «مقهى الأنذال» الواقع في قلب المدينة مكاناً مفضلاً لهما، فيه يتناولان وجبتهما الرئيسية، ويلتقيان شلة «أبي أدهم» التي تجتمع في المقهى عقب صلاة الجمعة أسبوعياً.
- يا أخي أنا مستغرب من هالشلة، كلُّهم خِتْياريّة، لا أحد منهم نسي عاداته، وتحلّى بعادات هذا البلد، قال سيف الدين.
- الإكادة يا سيف كلّهم يفتون بما لا يعلمون، وليس بينهم اثنان على قلب رجلٍ واحدٍ، ولكنهم يا أخي شلة، زي ما أنت شايف.
سيرة الشلّة جابتها على طول، كما يقول المثل العامي: «اللي يخاف القرد يطلع له».
جلس الكبير في ركنه المعهود من المقهى يشبه سفينة قرصانٍ، وهمس كاتم أسراره السوسة أبو أحمد في أذنه، ابتسم الكبير، وأومأ برأسه علامة الإيجاب، غاب السوسة وعاد للشلة بستة كؤوسٍ مترعةٍ، امتعض الحمساوي أبو مؤمن، انبرى له أبو عابد الخُلَل:
- اللي يشوفك يا بو مؤمن بيقول إنك ما بتقربهاش، يا زلمة إحنا دافنينه سوا.
- معلهش، بس مش في مكانٍ عام، قال أبو مؤمن، والناس لسّه فرحانة بالمصالحة.
كان سيف الدين، ورفيقه العربي يتابعان المشهد، ابتسم سيف وقال لرفيقه:
- مسألة فيها نظر، رجّعوني لبلدنا في مشاريق نابلس.
بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل