كتاب وأراء

اللُغَة العربيَّة.. إِشكَاليَّة الاحتِواءِ والانْحِلَال

إنَّ مجتمعاتنا باتت تُعاني اليوم أزمة حقيقية تتمثّل في تراجُع الاهتمام باللغة العربية، فالمجتمع بمختلف تدرجات أفراده العُمرية يُعاني نفورًا ملحوظًا من استخدام الفصحى، ويُمكن أن نُعيد هذه الإشكالية الكُبرى لعددٍ من العوامل التي ساعدت في تفاقم الحالة يومًا بعد يوم. فالأساليب الجافّة المتبعة في تعليم اللغة العربية في مختلف المراحل التعليمية أدت إلى خجل الناشئة من التعبير بالفصحى وتفضيل التعبير بالإنجليزية، الأمر الذي ربط استخدام الفصحى بالرجعية والمحدودية والتاريخية وربط اللغة الإنجليزية بصفوة والتحضُّر الثقافي والاجتماعي. وإنِي إذ ألوم المناهج الدراسية أولًا وألوم مدرسي اللغة العربية الذين لم يهتموا كثيرًا بربط الدروس لتنظيرية إلى تطبيقات تعليمية يسرة وممتعة؛ تُيَسِّر هدف تعلُّم اللغة وتُحبب الناشئة بتجرُّع المزيد منها.
ومن الملاحظ أنَّ أرباب العمل والمؤسسات التعليمية الكُبرى تتشرّط إجادة اللغة الإنجليزية في الوقت الذي لا تعبأ فيه بتاتًا لمدى قدرة المتقدّم على التعاطي بالفصحى، والأمر يعكس لنا مدى الأخطاء اللغوية والتعبيرية والتركيبية التي تتسم بها الخطابات الإدارية، فالقائمون عليها لم يتم تعضيدهم بشكل أساسي بالفصحى، كما أنَّ العثرة بالفصحى دومًا مغفورة بينما لا يُغتفر لمن يُلَحِّن بالإنجليزية. وأعتقد أنَّ الصورة الذهنية التي خلقها الإعلام والمجتمع معًا التي رسمت العربية في ذهنيَّة المتلقين؛ لغة صعبة التعلُّم والإتقان وكثيرة القواعد والصرف بعكس الإنجليزية التي تُقدَّم في برامج الأطفال في سياقات تعليمية تليفزيونية سهلة ومحببة جدًا.
إنَّ مؤسسة الأسرة لا تنفصل كثيرًا عن بقية مؤسسات المجتمع المدني السياسية والاجتماعية وغيرها، فعلى عاتقها يقَع الكثير، فهي التي تزرع لبنة التأسيس اللغوي الأولى، وكما هو مشاهدٌ اليوم، نلحَظ أنَّ الأُسر العربية والإسلامية اليوم في صراع كبير بين الحفاظ على الموروث الثقافي العتيق وبين الانفتاح على الآخر، وفي النهاية نجد أنَّ الكفّةَ تميل كُل الميل إلى التركيز على الإنجليزية، حيثُ نلحَظ أنَّ الأسَر تلهَثُ وراء تسجيل أبنائها وبناتها في المدارس الأجنبية التي تقدِّم على حَدّ تعبيرهم لُغَة العصر العالميَّة، وكأنَّ المجتمع بكُل أطيافه قد غَلُبت عليه لُغة سوق العمل، ولنا أن نعلم أنَّ ما يتطلّعُ لهُ سوق العمل أحيانًا من ضوابط واشتراطات قد يتنافى تمامًا مع قيم ومبادئ ثقافتنا العربية الإسلامية الأصيلة، فسوق العمل لا يوظِّف المتشدقين بعربيتهم فهم يجد فيهم نوعًا من الترَف التافه والتخلُّف والرجعيَّة.
اليوم أجد أنَّ شريحة كبيرة خانت وفاءها للعربية، رُغم أنَّ هذه الشريحة تنتمي لفئة المتعلمين المتنورين، لكنهم لا ينفكون من إطلاق لسانهم بكلمات أجنبية دخيلة على العربية، ويقدمون أنموذجًا يُنافى ما يجب أن يكون عليه العالم العربي المسلم المحتفظ والمفتخر بلغته وفصاحته وسداده بيانه، وفي حقيقة الأمر اللغة الفُصحى لا يُمكن لها بأيِّ حالٍ من الأحوال من أن تتخَلّف لكن ما هو ملاحظٌ اليوم هو أنَّ أهلها تخلفوا وتخلّوا عنها وتلبسوا لغة لا تنتمي لهم، رُغم أنّي لا أدعو نهائيًا إلى مقاطعة الإنجليزية، فهي لغة عالمية والكثير من الأوعية العلمية والمؤسسات التعليمية العريقة تقدّم برامجها بهذه اللغة، لكنّها دعوة للتمسُّك باللغة العربية وجعل الصدارة والأولوية لها.
قارئي العزيز، وبما أني أعمل في مجال الإعلام، فإنِّي لا أُبرِّئ وسائل الإعلام العربية من تورطها في إشكالية تراجع اللغة العربية، وضرب هذا المتراس الثقافي الذي يعتبر علامة بارزة من علامات توحيد هذه الأمة، حيث نجد أنَّ أغلب البرامج الجماهيرية تركّز على استخدام اللهجات المحلية، حتى أصبح المذيعون الذين يقدمون اللغة البيضاء التي تزاوج بين اللهجة المحلية والفصحى؛ عددهم قليلٌ جدًا وفي تراجع مستمر، كما أنَّ الذين يتحدثون العربية في البرامج والنشرات الإخبارية بحاجة إلى تدريب وممارسة كبيرة، حيثُ نلحظ الكثير من اللحن في استخدام اللغة ورفع المنصوب ونصب المرفوع وغيره من الأخطاء العظيمة في حق اللغة التي ساهمت في انتشار الأخطاء اللغوية واستساغتها مع الأيام من قبل الجماهير، إضافة إلى ضعف إنتاج برامج التعليم التي تبث عبر مختلف وسائل الإعلام، فحقبة برامج: «المناهل» و«افتح يا سمسم» غادرتنا منذ زمنٍ بعيد، ولم نعُد نسمع نهائيًا عن تخطيطٍ أو نيّةٍ لإنتاج المزيد من هذه البرامج الهادفة التي تؤصِّل استخدام الفصحى وتربي النشء عليها، وإنِّي إذ أؤمن أننا بحاجة إلى برامج جديدة تقدِّم مضامين تتخذ العربية الفصحى أساسًا لها.
يقولُ نابغة اللُغة والأدب العربي؛ مصطفى لُطفي المنفلوطي، في مقالته (البيان) المنشورة في مؤلفاتِهِ الكاملة: «فاحذر أن تكون واحداً منهم، أو تصدق ما يقولونه في تلمُّس العذر لأنفسهم من أن اللغة العربية أضيق من أن تتسع لجميع المعاني المستحدثة، وأنهم ما لجؤوا إلى التبذل في التراكيب إلا لاستحالة الترفع فيها؛ فاللغة العربية أرحب صدراً من أن تضيق بهذه المعاني العامة المطروقة بعدما احتملت من دقائق العلوم والمعارف ما لا قبل لغيرها باحتماله، وقدرت من هواجس الصدور، وخوالج النفوس على ما عيَّت به اللغات القادرات. وليس الشأن في عجز اللغة وضيقها، وإنما الشأن في عجز المشتغلين بها عن الاضطراب في أرجائها، والتغلغل في أعماقها، واقتناعهم من بحرها بهذه البَلَّةِ التي لا تثلج صدراً، ولا تشفي أوامًا، وكُلُّ ما يُعَدُّ عليها من الذنوب أنها لا تشتمل على أعلام لبعض هذه الهِنات المستحدثة، وهو في مذهبي أهون الذنوب وأضعفها شأناً، ما دمنا نعرف وجه الحيلة في علاجه بالاشتقاق إن وجدنا السبيل إليه، أو التعريب إن عجزنا عن الاشتقاق، فالأمر أهون من أن نحار فيه، وأحقر من أن نقضي أعمارنا في العراك ببابه، والمناظرة في اختيار أقرب الطرق إليه، وأجداها عليه».
عزيزي القارئ، إنَّ الجهود التي تبذُلها الدولة في إقامة نهضة لغوية شاملة تلبّي متطلّبات العصر الذي نعيشه، وتحافظ في الوقت عينه على أصالة اللغة العربيّة وجمالها؛ أمرٌ مبشّرٌ بكُلّ خير، ويبقى ان تلتزم مؤسسات المجتمع المدني بشكلٍ جادّ في تطبيق هذا القرار، فالعربية هي جزء أساسي من هويتنا العربية والإسلامية الغرّاء، وأي تنازُلٍ عنها يُعَدُّ تنازُلًا وبيعًا مباشرًا لأصالتنا الحقيقية، فهذه الإرادة الجماعية هي مطلبنا في الفترة القادمة وذلك للحفاظ على لغة القرآن الكريم والارتقاء بها، لتصبح شامتنا الدالّة بين الأمم.
إعلامية وباحثة أكاديمية- جامعة قطر
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي