كتاب وأراء

صُنَّــاع الحكمــة


حُلْوٌ أن يَلتفتَ الإعلاميون إلى شجون مِن غير الحكمة أن يُكابِدَها الْمُبْدِعون، في صمت رهيب يُذَكِّرُ بصمت القبور التي تَحجب صخبَ العالَم السفلي، في زمن يُحاصَرُ فيه الفَمُ والأنفاس.
غير أن أصحاب الذوق، والإحساس، يَرَوْنَ مِنْ غير العدل ألاَّ يُنْصَفَ المبدِعُ، والكاتبُ، لذلك يُفَكِّرون في أن يَمدُّوا الجسورَ إلى الْمُواطِن، والْمُقيم، والعابر، والمفكِّر في الإقامة، أو العبور، سواء على أرض الواقع أم بين السطور.
صُناَّع ُالحكمة يُثْبِتُون أن للإنسان العربي الحَقّ في رغيف الكلمة، الكلمة الحُرَّة والهادفة، وأن الحقَّ في رغيف الكلمة ينبغي أن يُوازي الحقَّ في رغيف الخبز. هكذا يَرتئي مَن يَحملون هموما أكبر مِن أن تُجَسَّدَ في البِناء بالحجارة والطُّوب، لأن بِناءَ العقل العربي والوعي العربي والذوق العربي والرأي العربي لَهُوَ إنجاز يَستحق أن تُرْفَعَ له القبعة، ويَستحق بالْمِثل الزُّهْدَ في سواه إن كان دون مستوى التطلع والانتظار.
بِناءُ مؤسَّسَة الإسمنت لا يَحتاج إلى مُعْجِزَة لِيَنجُوَ مِن هندسة تَقويض، والتاريخُ لا يَحفظُ له قُبَّةً أو بابا في بابٍ يُعادِلُ فصلا أو مبحثا في كتابٍ. لَكِنَّ بِناءَ مؤسَّسَةِ العقل يُعْجِزُ التاريخَ وصُنَّاعَه عن أن يُسقِطاهُ مِن حساباتهما، لأن قوةَ التاريخ في حفظه لما يُؤَسِّسُ العقلَ، فلا يَسقط مهما اجتهد المجتهِدون في محارَبة الناجِح.
أن تَنحنِيَ للإبداع معناه أنكَ تُقَدِّرُ بإجلالٍ المحاوَلةَ والتجربةَ قبل أن تَرْقَى الواحدةُ منهما إلى مدارج النجاح، فالْمُبْدِع يَكفيه انتصارا لنفسه ولمجتمعه أنه فَكَّرَ في تجاوُز وضعٍ قائم إلى ما يُبَشِّرُ بالأكثر جودة.
عندما يُصَفِّقُ الإعلامُ المكتوب لمبادَرة رئيس دولة كبيرة بقراراتها الصائبة وبمواقفها مُمَثَّلاً في شخص الأمير تميم السَّبَّاق إلى تكريم المتفوقين مِن المبدعين، فإنما يُثَمِّنُ رجالُ الإعلام خطوةَ رَجُل الدولة، الأول، على طريق تسليط الضوء، كُلّ الضوء، على صرح الثقافة باعتبارها ميزانا لقياس مستوى النهضة في بَلد عربي قَطَعَ أشواطا إلى هَدَف المجد فِعْلاً لا قَوْلاً.
بِلَهْفَة مَن خَبَرَ نارَ الإبداع، اِلْتَقَطْتُ مقالَ «فضاءات رحبة لعقول العِلم والموهبة» للكاتب محمد المري الذي أَغْرَتْهُ، كما يَبْدُو، حقيبةُ الثقافة، فَأَبَى إلا أن يُقاسِمَ مَن يهمّهم الأمرُ حَمْلَها، ربما من باب الإحساس بهم والتخفيف عنهم، وربما مِن باب ضَمّ صوته إلى صوت الأمير المسكون بحُبّ النجاح، لأبناء بلده، عن جدارة واستحقاق، وربما لأجل ذاك وذلك معا.
في مِرآة المعايَنة، يرى محمد المري تجربةَ الإنسان رُؤيةَ الفنان، وهُنا نَجِدُه يُنَوِّهُ بِحَصاد طُلاَّب العِلم: «هذه التجربة تحتاج لاحقاً إلى من يصقلها بالتدريب والخبرة والعمل، ويحولها إلى جوهرة حقيقية، كقطعة الماس تنتظر مَن يصقلها لتشع بنورها الأخّاذ». [محمد المري، فضاءات رحبة لعقول العلم والموهبة].
الثروة الحقيقية هي الإنسان المبدِع، فالإنسان هو جوهر الوجود والموجود، ولا غرابة ألاَّ يَختلف اثنان في أن يَأتي «الإنسان على الدوام في صدارة الاهتمامات باعتباره الأداة والوسيلة والهدف لتحقيق ما نصبو إليه» [محمد المري، فضاءات رحبة لعقول العلم والموهبة].
ثروة الإنسان هِيَ ثروة باطنية في العقل والقلب، وقُبالَتَها لا تَجِدُ العينُ الناقدةُ إلا أن تُمَجّْدَ الإبداعَ عن طريق الإحساس بالْمُبْدِع، لا بل أكثر من ذلك عن طريق تعبيد الطريق له، بما يَستحِقُّ مِن مكافأة تقديرا له على سخاء العطاء، العطاء الذي لا يُقابِلُه إلا عطاء مَن يهمّهم الأمرُ.
الْمُنْجَز الإبداعي الذي يتنافَس الشبابُ على الصعود به إلى القمة يَستحق أن يَحظى بتكريم راعي الثقافة الذي لا يَخرج عن حامي الوطن، وهُنا بيت القصيد ومربط الفرس، لأن الأولوية التي يُعطيها قائد البلاد لِضَخّ دِماء جديدة في قلب الثقافة هي بمثابة تحفيز للعقول النابضة بالعلم على التباري كَمَدْخَل إلى استعراض جديد العلوم وفتح أكثر من نافذة وباب على عالم الموهبة الذي يَقتحم سراديبَه أولو الألباب.
تَكريم مَن سَجَّلُوا تفوقهم في كتاب التاريخ، ما أن شملَتْهُم عنايةُ الأمير، نِعْمَ التدبير، إنه التدبير الذي يَقضي بعدم قطع النَّفَس الطويل مادام فيه ما يَبلغ بك المراتب المشرفة، يكفيكَ فخرا ما تَجنيه من ثناء يأتيك على يد الأمراء.
أفلا نرى أن تكريمَ ذَوِي المواهب والعقول شهادةُ حياةٍ يَكتبها أهلُ القمة بمداد الاعتراف والتقدير، ويُوقعونها بما يَليق بأن يُكافَأوا به؟! ما هذا التقدير سوى «إشارة لها مغزاها» على ما يبذله رجال السلطة المؤمنون بسُلطة الثقافة ودور السلطة في خدمة الثقافة.
نجاحُكَ الحقيقي يَكمن في رضى مَن يهمه أمرُ عطائكَ المحرِّض إيجابا على إعطائك ما يُشَجِّعُ على مضاعفة الجهد وتتويج المساعي الرامية إلى نيل التنويه والتزكية.
فلهذا «ليس أدعى للاحتفال من العلم»، إنه العلم الرامي إلى «تنمية العقول» و«تقديم كل الأدوات التي تساعدها على البذل والعطاء، ومنها إفساح كل الفضاءات أمامها، وليس مصادرتها وتحجيمها وقولبتها لخدمة أهداف ومآرب لا تبني وطناً ولا تصنع مجداً» [محمد المري، فضاءات رحبة لعقول العلم والموهبة].
الإعلام واجهة مُشَرِّفة لاستعراض إنجازات حُماة الثقافة مِن أهل السلطة. وفي هذا الصدد يَطيب لنا كقُرَّاء أن يُشيدَ رجالُ الإعلام بفَتْحٍ جديد في دنيا الفتوحات الثقافية، إنها صومعة مكتبة قطر الوطنية التي يَرتفع فيها صوت الكلمة الأمَّارة بتصفية الذهن من الشوائب، والتأمل والتعرية والكشف والمساءلة، إنها الكلمة التي لا تَكفر برسالة المثقف ودورها في تشييد صَرْحِ وَعْيِه وتسييج حدودِ تفاعُله مع المحيط مُضِيا على جِسر «الأنا – الآخَر».
إنجاز فَخْم كهذا جاءَ نزولا عند رغبةٍ جبارة في تأكيد ما يَستقيم ويَصِحُّ، ولا يَصِحُّ إلا الصحيح: نحن بخير، وثقافتنا بخير. لا صوت يَعلو على صوت الكلمة، ولا حصار يُقَيِّد الكلمةَ أو يَكسرُ أجنحَتَها أو يَشقُّ سماءً لا تُساعِدُ على أن تُحلِّقَ فيها الكلمةُ.
الكلمةُ حمامة، رسالتُها تَبُثُّ السلامَ، لُغتُها جسرُ تواصُلٍ تَبْنِيه على نهر الأزمات، تَسْمُو بِسُمُوّ صاحبها لِتَتَهادى بين أمواج الغيم شامخةً كنشيد الحرية، في انتظار ذوبان الجليد.

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير