كتاب وأراء

مسيرات العودة.. و«15» مايو وإعادة تصويب مسار الصراع مع الاحتلال

من يتابع مشهد مسيرات العودة التي ينظمها أبناء الشعب العربي الفلسطيني على حدود قطاع غزة مع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وحجم المشاركة الشعبية فيها من كل الأعمار، يتبين له أن مسيرات العودة الكبرى في 15 مايو الحالي في الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية يتوقع أن تشكل محطة نوعية في حجم المشاركة الشعبية في كل مناطق تواجد أبناء شعب فلسطين في داخل فلسطين المحتلة أو في الشتات حيث تجري تحضيرات على قدم وساق لتزخيم المشاركة الشعبية وتحويل 15 مايو إلى يوم تاريخي في نضال وكفاح الشعب الفلسطيني من أجل العودة إلى أرضه ودياره التي شرد منها عام 1948 بقوة الإرهاب والبطش الصهيوني.
هذه التحضيرات لمسيرات العودة الكبرى باتت تؤرق قادة العدو الصهيوني وترفع منسوب توترهم لاسيما أن مسيرات العودة سوف تبلغ ذروتها في 13 و14 و15 مايو تأكيداً على التمسك الحازم بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم التي شردوا منها، ووقوفا ضد القرار الأميركي نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس المحتلة.
وهذا ما دفع رئيس شعبة الاستخبارات الأسبق في جيش الاحتلال عاموس يادلين إلى القول بأنه يعتقد أن شهر مايو سيكون الأخطر على الكيان الإسرائيلي منذ عام 1967 بالنظر إلى التقاء عدة عوامل:
تصادف مسيرة العودة المقررة منتصف مايو مع نية الإدارة الأميركية نقل سفارتها للقدس، ونية واشنطن حسم مسألة الاتفاق النووي الإيراني ورغبة طهران في الانتقام من «تل أبيب» بعد ضرب قاعاتها بسوريا.
ولفت يادلين إلى أن جميع هذه العوامل تشكل «عوامل قلق كبير»
إذا ما أخذنا كلام يادلين بالاعتبار إضافة إلى فشل التهديدات الإسرائيلية في ثني المتظاهرين الفلسطينيين السلميين عن المشاركة في مسيرات العودة واستعدادهم للتضحية بحياتهم وتقديم المزيد من الشهداء والجرحى في مواجهة عدوانية جنود الاحتلال فإننا نستطيع القول بأن كيان الاحتلال الصهيوني يواجه تحدياً كبيراً هو الأول من نوعه منذ نشأته على أرض فلسطين المحتلة سنة 1948.
هذا التحدي إنما هو تحدٍ وجودي، أي عودة اشتداد الصراع بالاستناد إلى جذوره الأولى وهي اغتصاب أرض فلسطين وتشريد أبنائها منها من ناحية، وإصرار اللاجئين الفلسطينيين في داخل فلسطين وخارجها على مواصلة النضال من اجل العودة إلى أرضهم ورفض المساومة أو التفريط بهذا الحق المقدس الذي تقره القرارات الدولية من ناحية ثانية، الأمر الذي يجعل من الصعب على أي قيادة فلسطينية الموافقة على أي اتفاق مع كيان الاحتلال يفرط بهذا الحق، عدا طبعاً عن رفض تهويد القدس والمقدسات، وهاتين القضيتين تشكلان الاستهداف الإسرائيلي الأميركي في أي اتفاق يسعيان إلى فرضه في سياق مخطط تصفية الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني.
ولأنه من المتوقع إن يشهد 15 مايو أضخم تظاهرات شعبية، فيما يعتبر بمثابة انتفاضة شعبية شاملة قل نظيرها في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، فإنه يجري الحديث عن احتمالات أن تؤدي هذه التظاهرات العارمة إلى نتائج تضع القضية الفلسطينية في مسار جديد يرعب قادة الاحتلال ويجعلهم يعيشون منذ الآن الهاجس والقلق الشديدين من حصول تداعيات خطيرة كمثل تجاوز المتظاهرين على حدود قطاع غزة السياج الحدودي مع فلسطين المحتلة، وإقدام قوات الاحتلال على إطلاق النار بكثافة وبالتالي ارتكاب مجزرة على مرأى من العالم اجمع، لاسيما أن القنوات التليفزيونية العالمية ستنقل الحدث على الهواء مباشرة مما يثير ردود فعل عربية وإسلامية ودولية ضد كيان الاحتلال الصهيوني عدا عن عودة ارتفاع منسوب التضامن والتأييد مع الشعب الفلسطيني ومساندة حقه في العودة إلى أرضه ودياره واستطراداً إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الأحداث على الرغم من وجود أحداث كثيرة في المنطقة والعالم تشغل الدول والرأي العام.
إن كل ذلك بدا منذ الآن يشكل صفعة قوية للخطط الإسرائيلية الأميركية التي سعت من وراء إثارة القلاقل والاضطرابات والحروب داخل الدول العربية إلى جعل قضية فلسطين قضية منسية وفي آخر جدول الاهتمامات مما يوفر الظروف المواتية لقيام قوات الاحتلال بالمزيد من القمع والإرهاب ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته وزيادة منسوب الخطط الاستيطانية والتوسعية في الأرض الفلسطينية من دون ضجيج أو مواجهة أي انتقادات أو ضغوط دولية.
وإذا كانت القيادات الصهيونية تستشعر الخوف والقلق مما ستواجهه في 15 مايو من تحديات وتداعيات فإنه من الطبيعي أن تكون هناك تداعيات مباشرة على الواقع الفلسطيني والعربي، بحيث ستؤدي انتفاضة الشعب الفلسطيني إلى إعادة تعزيز الوحدة الوطنية الحقيقية والتي تصنع في ميدان المواجهة والمقاومة مع الاحتلال، ورفض التفريط بالحقوق وبالتالي تصليب الموقف الوطني الفلسطيني وإعادة استنهاض الشارع الفلسطيني وتوفير البيئة الشعبية للنهوض بالمقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وتزخيم الانتفاضة الثالثة التي تشهد حالة مد وجزر في نشاطها.
ومن دون أدنى شك فإن كل ذلك سيقود إلى إضعاف نهج أوسلو الكارثي وبالتالي محاصرة كل محاولة تستهدف العودة إلى إنعاش التفاوض مع كيان الاحتلال الصهيوني، خصوصاً إذا كان هذا التفاوض سيتم على قاعدة التسليم بقرار ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس والتخلي عن حق العودة إلى الأراضي المحتلة عام 1948.
إذا كانت مسيرات العودة قد نجحت حتى الآن في تحقيق قسم مهم من هذه النتائج فإن توسع هذه المسيرات وتحولها إلى انتفاضة شعبية عارمة في كل مناطق تواجد شعب فلسطين سوف يعزز هذه النتائج ويؤسس لمرحلة جديدة في النضال الوطني الفلسطيني التحرري يعيد تصويب مسار الصراع مع الاحتلال على قواعد وأسس تنطلق من أن تحرير فلسطين واستعادة الحقوق والعودة إلى الأرض والديار لا يمكن أن تتحقق إلاّ عبر الالتزام بنهج المقاومة المسلحة والانتفاضة الشعبية الداعمة لهذه المقاومة والتمسك بالحقوق كاملة غير منقوصة.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي