الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  القطريون أعطوا الدروس في إرادة التحدي

القطريون أعطوا الدروس في إرادة التحدي

القطريون أعطوا الدروس في إرادة التحدي

حوار- محمد حربي
أكد سعادة السفير فكرت أوزر، سفير الجمهورية التركية لدى الدوحة، أن هناك تنسيقا قطريا تركيا على أعلى مستوى، والترتيبات جارية من أجل الإعداد لاجتماع طارئ لمنظمة التعاون الإسلامي بمدينة إسطنبول غدا الجمعة الموافق 18 مايو لعام 2018، من أجل بحث تداعيات تنفيذ أميركا لقرار الرئيس دونالد ترامب، بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وما ترتب عليه من صدام بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي، التي قامت بارتكاب مجزرة يندى لها الجبين، راح ضحيتها نحو 60 فلسطينيا من الأبرياء العزل، لمجرد أنهم تظاهروا احتجاجا على اغتصاب أرضهم.
موضحا أن الموقف العربي والإسلامي لم يكن عند مستوى الحدث، ونكبة العصر الجديدة، ولم يرق إلى حجم المواقف التي اتخذتها دول أخرى، سواء قرار جمهورية جنوب إفريقيا بسحب سفيرها من إسرائيل، أو البيان شديد اللهجة، الذي اصدرته جمهورية كوبا، مشيرا إلى أنه عار على المسلمين الصمت، وعدم الدفاع عن مقدساتهم، لافتا إلى أنه حان الوقت لاستحضار روح صلاح الدين.. هذه وغيرها من الأفكار التي يتناولها حوار «الوطن»، وفيما يلي نصه:
بداية كيف تصفون ما حدث في القدس، وتنفيذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره، بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، في ظل اللامبالاة من العالم العربي والإسلامي؟
-للأسف الشديد، إن أمتنا الإسلامية، تمر حاليا بمرحلة من حالات المنعطفات التاريخية، لقد صدمنا ليس من العنجهية الأميركية، ولا التجاوزات الإسرائيلية، أوتماديها بضرب القوانين والأعراف الدولية عرض الحائط، بقدر الدهشة من ردة الفعل العربي والإسلامي، المفاجئ الذي أصاب الجميع بالصدمة، وحتى البيانات التي خرجت من هنا أو هناك، لم تحمل من معاني القوة، سوى إبراء الذمة أمام الشعوب، دون اتخاذ مواقف رادعة، أو التلويح بأي تصعيد ممكن، وأنه من المفارقات العجيبة، أن تأتي قرارات ومواقف الآخرين من دون العرب والمسلمين، أكثر حدة، كما فعلت جمهورية جنوب إفريقيا بسرعة سحب سفيرها من إسرائيل، وكذلك بيان دولة كوبا، شديد اللهجة، وإن كنا في حل من استعراض الموقف التركي، وقرار رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، باستدعاء سفير تركيا، وطرد السفير الإسرائيلي، لأن الأتراك تاريخهم معروف في مناصرة القدس وفلسطين، ويكفي القول، ان السلطان عبدالحميد، قد خسر عرشه في يوم من الأيام، لأنه لم يفرط في القضية الفلسطينية، ورفضه كافة الإغراءات والرشاوى لبيع الأراضي حول القدس، فما كان منهم ألا أن تأمروا عليه، وأطاحوا به، مقارنة بمن يبيعون القضية الفلسطينية في سبيل اكتساب العروش، ويثبتون أنفسهم فوق الكراسي، وهؤلاء التاريخ سوف يلعنهم.
إلى أي مدى كنتم تتوقعون أن يحدث ما حدث، ويأتي اليوم الذي تنقل فيه الولايات المتحدة الأميركية سفارتها من تل أبيب إلى القدس؟
-ما يحدث الآن، هو نكبة جديدة في تاريخ أمتنا الإسلامية، وهو شيء لم يأت بغتة، أو مصادفة، بل هو مخطط له سلفا، وكان يجري وفقا لأجندة أدارتها الصهيونية بشكل دقيق، لإضعاف المسلمين والعرب، واستغلال الأحداث، وتوظيفها لصالح اطماعهم، ومشروعاتهم، بداية من الحرب الإيرانية العراقية، وحالة التمزق والتشرذم والنزاعات بين دول المنطقة والإقليم وبعضها البعض، وأذكر يوما من الأيام، وخلال فترة عملي بالبعثة الدبلوماسية التركية في الأردن، وقعت تحت يدي عملة إسرائيلية، مرسوم عليها خريطة مكتوب عليها من النيل إلى الفرات، والآن خلال احتفال نقل السفارة الأميركية إلى القدس، كانت هناك لافتات، تحمل بعض الشعارات، من بينها «حان وقت إقامة إسرائيل الكبرى»، وحينما ننظر إلى ما تعنيه هذه الجملة، نجد أنها تعني كافة الأراضي السورية، وتتجاوز حدودها إلى ما يصل إلى تركيا، والعراق، وإيران، وحتى المدينة المنورة، بمعنى أنه كل ما يخص سيدنا إبراهيم عليه السلام، يعتبره اليهود، بأنها الأراضي الموعودة لهم من رب بني إسرائيل، لأنهم شعب الله المختار، وسيحققون حلمهم طالما ظل حالنا على ما نحن فيه.
ماذا تملك الأمة الإسلامية من أوراق الآن؟
-أهم الأوراق التي بيد أمتنا الإسلامية، أن تعتصم بحبل الله، وتتوحد كلمتها، وأن تتفادى الفخ المنصوب لها، من خلال مخطط تضخيم الخطر الإيراني، ليكون هو المصيدة للدول العربية، وأن نتخطى دائرة الأقوال إلى الأفعال، لأن الإسرائيليين يفعلون، لا يتكلمون، ويسيرون وفقا لمخططات، وأجندة يتم تنفيذها على مراحل، وكل جيل منهم ينجز مرحلة من مشروعهم المستقبلي.
حدثنا عن الدور التركي إزاء هذه المأساة التي تواجهها أمتنا الإسلامية؟
-الدور التركي، بدأ منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره، بالتوجه نحو نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، ووقتها أعلن رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، بأنه في حال تنفيذ ذلك، فإن تركيا سوف تقوم بتخفيض تمثيلها الدبلوماسي، وسحب السفير من تل أبيب، وقد فعل ما قال، واستدعى سفيرنا، وقام بطرد السفير الإسرائيلي، وبالتالي هو اثبت أن كلامه لم يكن مجرد تهديد، بل هو فعل حقيقي.
ماذا يمكن أن تفعل تركيا إذن؟
-تركيا، بيدها كثيرا من الأوراق التي يمكن أن تفعل بها، وبصفتها رئيسة القمة الإسلامية للدورة الحالية، فقد سارعت من خلال التنسيق مع دولة قطر بالدعوة إلى اجتماع إسلامي طارئ في مدينة اسطنبول غدا الجمعة الموافق 18 مايو لعام 2018، لبحث هذا الأمر الخطير، وما تتعرض له القضية الفلسطينية والمدينة المقدسة، ونأمل أن يكون الحضور من جانب القيادات الإسلامية على أعلى مستوى ممكن، بحيث يعطي رسالة قوية للآخرين، بأننا كمسلمين قادرون على أن نكون قوة، وإذا كان هناك قرارات، يتم الالتزام بتفعيلها، مهما كان الثمن، لأنه لا شيء بدون ثمن، ولكن لن يكون أكثر من ضياع القدس، لأن ضياعها عار على المسلمين جميعا، ولن يغفر لهم التاريخ ذلك.
هل بالإمكان تحدثنا عن التنسيق القطري التركي بشأن هذا؟
-التنسيق بين دولة قطر، والجمهورية التركية لم يتوقف منذ بداية هذا الحدث المشؤوم، وجرت اتصالات ومشاورات بين القيادتين القطرية والتركية، حيث تواصل سعادة السيد بن علي يلدريم، رئيس الوزراء التركي، وسعادة الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، لبحث ما يلزم من ترتيبات للإعداد للقمة الإسلامية الطارئة، لأننا نحتاج أن نرسل رسالة قوية للآخرين، وفي مقدمتهم إسرائيل، التي لا تعرف غير لغة القوة.
كيف تقيمون الدور الأممي في هذه الأزمة؟
-للأسف الشديد، فإن الموقف الأممي مخز، والعالم يشاهد المأساة، والمجزرة التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وما راح ضحيتها من استشهاد نحو 60 فلسطينيا، بدم بارد، وكل جريمتهم أنهم خرجوا للدفاع عن أرضهم، في مواجهة الغاصب الغاشم والمعتدي، وهو حق طبيعي، أقرته لهم القوانين، والأعراف الدولية.
إذا بماذا تصفون التصرف الأميركي؟
-ما فعلته الولايات المتحدة الأميركية، هو المشاركة في اغتصاب حق الغير، وهذا عار على أميركا التي تتشدق بأنها دولة الحريات، وتسوق نفسها على أنها حامي الحمى للمبادئ الإنسانية، وإذ بها تسقط في الاختبار الفلسطيني، فتساعد من ليس لهم الحق في نهب أراضي الآخرين، كما أن البيت الأبيض الأميركي يتحمل مسؤولية كارثة غزة، التي وصفها في يوم من الأيام دَيفيد وليام دونالد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا السابق، بأنها، أكبر سجن في العالم.
ما هو انطباع الشارع التركي الآن؟
-الشارع التركي قلبه يعتصر ألما على ما تتعرض له القدس، أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسولنا الكريم صلى الله وعليه وسلم، وتركيا ظلت دائما مهمومة بالدفاع ليس فقط عن القضية الفلسطينية والأقصى فحسب، بل عن كافة الأماكن المقدسة الإسلامية، منذ ما قبل أيام الحكم العثماني، والتاريخ يشهد بما فعله صلاح الدين الأيوبي، في مواجهة الحملات الصليبية، للدفاع عن مكة والمدينة، وغيرها، ولعلنا اليوم نشاهد الحراك الشعبي في كافة المدن التركية، وهناك حركات ومظاهرات احتجاجية خرجت تندد بذلك، وتدعو قادة تركيا، والأمة الإسلامية أن يكونوا عند مستوى الحدث، ويفعلوا شيئا للدفاع عن قدسنا، وأقصانا.
دعنا ننتقل معكم من محيط السياسة، إلى الشاطئ الرمضاني، ونسألكم عن رمضان هذا العام بالنسبة لكم.. كيف تستقبلونه؟
-نحن نستقبله، والدمع في مقلتينا، خجلا من أنفسنا، لأننا عجزنا أن نجيبه عن الأمانة التي حملنا إياها رب العالمين، بالمحافظة على الأماكن المقدسة، وشكون القدس التي خذلها المسلمون، وتركوها وحيدة، فريسة سهلة بين مخالب الاحتلال الإسرائيلي، وبرعاية وحماية من أميركا، لنكون أمام نكبة جديدة في تاريخ أمتنا.
إذا كان الحاضر مأساة، فلنرجع بكم للوراء قليلا، ونريد أن نتعرف منكم عن ذكريات أول رمضان تعيشه في خارج تركيا؟
-أذكر، ان أول شهر رمضان قضيته في خارج الجمهورية التركية، كان في عام 1979، حينما ذهبت في مهمة دبلوماسية في مدينة طرابلس الليبية، وكانت لهذا المجتمع عاداته وطقوسه الرمضانية الخاصة، واستمررت هناك لمدة أربع سنوات، وبعدها توجهت إلى الرياض، وبعدها الإمارات، والأردن، وفي كل مجتمع كنت أشاهد من عادات الشعوب ما يختلف بعضها عن البعض الآخر.
ولكن إذا كان هناك اختلاف، فماذا عن القواسم المشتركة، التي كنت تجدها تتشابه مع المجتمع التركي في رمضان؟
-هناك بعض التشابه بين جمهورية تركيا، وكافة الدول العربية التي عشت فيها الأيام الرمضانية، حيث توجد كثيرا من الطقوس، الخاصة بالعبادات، لأننا أمة القرآن، وإن كان الأتراك يصلون عشرين ركعة، وانتشار حلقات التحفيظ القرآني طوال أيام الشهر الفضيل، كما توجد احتفالات رمضانية، وتقام في الميادين والشوارع التركية الخيم الرمضانية، وغير ذلك من التواشيح الإسلامية، كما أن ساحة مسجد السلطان أحمد، ومنطقة سيدنا أيوب الأنصاري، خال رسولنا الكريم، الذي حضر مع الجيش الأموي عند محاصرة أسوار القسطنطينية، وتوفي هناك، حتى أقام له محمد الفاتح مسجدا هناك، تزهر المنطقة من حوله في شهر رمضان.
ما أهم ما تتميز به المائدة الرمضانية التركية؟
-المائدة الرمضانية في تركيا عامرة بأنواع كثيرة من الأطعمة طيبة المذاق، والتي لها خصوصيتها، والتي تعكس ثقافة الغذاء في البيت التركي، حيث هناك طبق مخصوص يبدأ به الصائم إفطاره، يتكون من الجبن، والتين، والرطب، يتناوله الشخص، ثم يصلي المغرب، وبعد ذلك يرجع لتناول إفطاره، ولا تخلو الموائد التركية من خبز خاص يتم صناعته في شهر رمضان فقط، يضاف له السمسم والبيض.
ماذا عن ذكرياتكم مع أول رمضان في قطر؟
-لذكريات رمضان معي في قطر خصوصية، حيث أنني شهدت أول موسم رمضاني في الدوحة، حالة الحصار التي فرضتها عدد من الدول الخليجية، ضد دولة شقيقة لهم، دون مراعاة حرمة هذا الشهر الفضيل، ولا الأخذ بعين الاعتبار ما بينهم وبين بعضهم البعض من أواصر العلاقات الاجتماعية.
هل لنا أن نتعرف منكم على أهم انطباعاتكم عن الأجواء الرمضانية الأولى لكم في الدوحة، رغم الحصار الذي تعرضت له دولة قطر؟
-في الحقيقة، أهم الصور والمشاهد التي انطبعت في ذاكرتنا خلال شهر رمضان الماضي، ومع بداية الحصار، هي روح التحدي، وقوة إرادة القطريين، وثقتهم بأنفسهم، والتفافهم حول قيادتهم، ويقينهم بأن الله معهم، وهذا ما جعلهم يتخطون الأزمة، ويواجهونها بالتضامن واللحمة المشتركة، مما أجهض أي مخطط للنيل منهم، أو المساس بسيادتهم واستقلال قراراهم، وبقيت إرادتهم هي الأقوى، لتكون درسا للزمن.
كيف تقضون أيام رمضان في الدوحة؟
-نحن كباقي السفراء، نحضر لمقر عملنا من الصباح للقيام بمهامنا الدبلوماسية، وخاصة في هذه الأيام، تكثر رغبة الأشقاء القطريين، وغيرهم من المقيمين، بالسفر إلى تركيا خلال هذا الشهر الفضيل، حيث الكثيرون منهم يريدون أن يعيشوا الأيام الرمضانية في جمهورية تركيا، حيث الأجواء الروحانية، والطعام الحلال.
ما هي أهم الأماكن التي تحرصون على زيارتها خلال شهر رمضان بالدوحة؟
-نحن نحرص على زيارة سوق واقف، حيث عبق التراث والتاريخ، والأجواء الممتعة هناك.
أخيرا، هل هناك من رسالة تريد أن توجهها قبل أن نختم معكم حديثنا؟
-نحن نشكر صحيفة الوطن على هذا اللقاء، كما نبعث بتهانينا الحارة بمناسبة شهر رمضان الكريم، إلى القيادة القطرية الحكيمة، والشعب القطري المضياف، وإلى كافة المقيمين في دولة قطر، وإلى تركيا قيادة وشعبا، متمنين أن تكون هذه الأيام المباركة فرصة للوقوف مع النفس، للتزود من الروح الإيمانية، وأن تتكاتف جهودنا، وتتوحد صفوفنا من أجل أن نستعيد أيام عزة صلاح الدين الأيوبي، لنخلص القدس، ومقدساتنا الإسلامية من يد الصهاينة، والمحتلين.

اشترك في خدمة الواتساب
إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below