الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  العفو والصفح من الأخلاق العظيمة

العفو والصفح من الأخلاق العظيمة

العفو والصفح من الأخلاق العظيمة

الصفح لا ينقص القدر ولا يعني الضعف والخضوع .. بل هو الحكمة والقوة والفضلأكد فضيلة الداعية عبد الله النعمة أن الخلاف بين الناس غريزة فطرية أودعها الله عز وجل في نفوس البشر، وجعل سبحانه لهذه الغريزة أسباباً ودواعي تؤدي إلى غليانها في النفس، وثورانها في المجتمع، حتى بين القريب وقريبه والأخ وأخيه والزوج وزوجته..
فيوجد الخلاف، وتورث الفتنة وتنتشر القطيعة حتى تفرق بين المحب وحبيبه والصاحب وصاحبه، وحتى يهجر الولد أباه، والزوج زوجه، والأخ أخاه، والجار جاره، مما يفكك روابط المجتمع ويجعله لقمة سائغة في أيدي أعدائه، ولهذا نهى الله تعالى التهاجر بين المسلمين وأمر بإصلاح ذات البين، والعفو والتسامح والصفح، وجعل ذلك من أعظم القربات وأجل الطاعات، لأنه السياج المنيع الوافي للأخوة الإسلامية التي رغب فيها الإسلام والدرع الحصين لوحدة الأمة التي حرص الإسلام على تماسكها وسلامتها.
وأوضح فضيلته في خطبة الجمعة بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، أن العفو عن الناس، والتجاوز عن الزلات، والصفح عن الأخطاء، من أعظم صفات المؤمنين، وهو أدب جليل من آداب الإسلام، وركيزة كبرى من ركائز السعادة والخير، مبيناً أن العفو خلق الكرام، وصفة العظماء من الناس الذين لا يحملون الحقد، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، بل يرجون الله والدار الآخرة، ومن عرف بالعفو عن الناس، والصفح عن أخطائهم وزلاتهم ساد وعظم في القلوب، وزاد عزة وإكراما، وكثر أجره عند الله تعالى وعند خلقه، وهو فوق هذا وذاك اسم من أسماء الله تعالى، وصفة من صفاته، فهو سبحانه الذي يعفو عن الخطايا والسيئات، ويتجاوز عن المذنبين من عباده، ويغفر لهم ذنوبهم وإن عظمت، ويمهل لهم، ويدعوهم إلى التوبة والإحسان.
ونوه فضيلته بأن العفو عن الناس والصفح عما بدر منهم، لا ينقص القدر، كما يتوهم بعض الناس، ولا يعني الضعف والخضوع، بل هو الحكمة والعقل، والقوة والفضل، فالشجاع الحكيم العاقل من ملك نفسه عند الغضب، وليس الحليم من ظلم فحلم، حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر عفا وتفضل. وكلما ازداد الذنب الخطأ عظما، ازداد العفو والصفح فضلاً وأجراً، وأفضل العفو ما كان عند القدرة، عن مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عِزاً) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أقال مسلماً، أقال الله عثرته يوم القيامة)، وقد قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله لرجل جاءه يشكو أن رجلًا ظلمه: (إنك أن تلقى الله ومظلمتك كما هي خير لك من أن تلقاه وقد اقتصصتها) ورحم الله الإمام الشافعي حين قال:
قالو سكت وقد خوصمت قلت لهم
إن الجواب لباب الشر مفتاح
فالعفو عن جاهل أو أحمق أدب
نعم وفيه لصون العرض إصلاح
وشتم رجل الشعبي رحمه الله فجعل يقول: أنت كذا وكذا، فقال الشعبي: (إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك!)، وقيل للفضيل بن مروان التابعي رحمه الله: إن فلاناً يشتمك! فقال: (لأغيظن من أمره؛ يغفر الله لنا وله، قيل له: ومن أمره؟ قال: الشيطان! ) ويقول ابن القيم رحمه الله: (وما رأيت أحدا قط أجمع الخصال- العفو والصفح والحلم- من شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان بعض أصحابه الأكبار يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه! وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم) ولا ريب عباد الله:
فإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسام
وأكد فضيلته أن خلق العفو والصفح من الأخلاق العظيمة التي جاء بها الإسلام مخالفاً للواقع الدامي في تاريخ الجاهلية التي كانت تقوم بينها الحروب والثارات، والعداوات والمقاطعات، والانتقام والغارات من أجل أمور تافهة، وأخطاء صغيرة، لم تقابل بخصال الحلم والصفح حتى أججت ناراً، وأشعلت حروباً لسنوات، وهذه المرتبة العظيمة في العفو والصفح لا يسهل تطبيقها إلا على عظماء الرجال، وإصحاب الصفاء والنقاء، وإرادة الخير للآخرين، موضحاً أن خلق العفو والصفح هو منهج أنبياء الله ورسله وصفوته من خلقه، ومن ذا الذي ينسى مواقف الأنبياء- عليهم السلام - مع أقوامهم بالعفو والصفح عنهم، على الرغم مما نالهم منهم من الأذى والعداوات.
وما موقف نبي الله الكريم يوسف- عليه السلام- بخافٍ على أحدٍ؛ حين آذاه إخوته وفرقوا بينه وبين والديه، وأجمعوا على رميه في الجب كي يقتلوه، ثم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة، حتى إذا جاؤوه فقراء محتاجين صاغرين، وهو عزيز مصر وصاحب الأمر والنهي فيهم، وهم ينتظرون ما يصنع بهم، فإذا صفات الكرم والعفو، والحلم والصفح تنهي الموقف في أبهى صورة: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ثم يتذكره المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، ويتأسى به في فتح مكة، حين صارت رقاب المشركين الذين حاربوه وآذوه، وأخرجوه من بلده وطاردوه، ولم يدخروا جهدا في إلحاق الضرر والأذى به وبأصحابه، حتى إذا أظهره الله عليهم واظفره بهم تجلت في تعامله مظاهر الرحمة والعفو، وأخلاق النبوة والحلم التي لا يستطيعها إلا العظماء من الناس، وإذ أحب الكلمات التي يحب أن يسمعها المخطئ والمذنب تلامس آذانهم، وتدخل البهجة على قلوبهم وتفتح لهم صفحة من الحياة الجديدة بكل معانيها: اذهبوا فأنتم الطلقاء!
صفوح عن الإجرام حتى كأنه
من العفو لم يعرف من الناس مجرماً
وصدق من قال:
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب
ولا ينال العلا من دأبه الغضب
واختتم خطبته قائلاً: هكذا كان خلق المصطفى صلى الله عليه وسلم العظيم تقول عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلقه: (لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، ولا صخاباً في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) وصدق الله العظيم حين قال في وصفه صلى الله عليه وسلم (وإنك لعلى خلق عظيم) وعليها تربى الصالحون من هذه الأمة سلفا ً وخلفاً؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول (كل الناس مني في حل)، ونقل ابن كثير عن الإمام احمد بن حنبل عليهما رحمة الله: أنه عفا وصفح عن كل من آذاه في فتنة القول بخلق القرآن العظيمة، إلا أهل البدعة وكان يتلو قول الله تعالى: (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) ويقول: ماذا ينفعك إن يعذب أخوك المسلم بسببك؟! وقد قال الله تعالى: (فمن عفا واصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) وينادي المنادي يوم القيامة: (ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا).

الصفحات

اشترك في خدمة الواتساب
إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below