الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الدين والطب النفسي .. مساحة مشتركة

الدين والطب النفسي .. مساحة مشتركة

الدين والطب النفسي .. مساحة مشتركة

د. طاهر شلتوت
يحب بعض من الناس أن يخلط الأوراق بين المشاكل المتعلقة بالطب النفسي وبين التفسيرات الدينية التي يرتاح إليها الناس في تبرير مشاكلهم النفسية بحيث يختزلون الأمراض النفسية جميعها في أسباب ضعف الإيمان فقط – وأعتقد أن هذا الخلط جاء بسبب الاختلاف في تعريف مفهوم «الطب النفسي»– حيث يتصور البعض من سماعه لكلمة الطب النفسي أننا نتكلم في علومنا عن النفس التي يفسرها رجال الدين بأنها النطفة اللطيفة التي خلقها الله فينا ونفخها في داخلنا من روحه، ولهذا فإن من يفهم الطب النفسي على هذا المنوال فهو في رأيي محق في تفسير المشاكل النفسية آنذاك على منبعها الرئيسي والوحيد وهو ضعف التدين – ولذلك فإنني أود هنا أن أوضح أن تعريف النفس التي يتحدث عنها رجال الطب النفسي هي وظائف المخ العليا وهي تحديدا المراكز الخاصة في الدماغ التي تتحكم في التفكير والمزاج والتركيز والانتباه والذاكرة وغيرها من المراكز الدماغية التي ميّز الله بها الإنسان دون باقي المخلوقات وجعل هذه المراكز العليا في الإنسان على حاله عاليه من الرقي، وحينما نتحدث عن هذه المراكز الدماغية فنحن نتحدث عن أماكن تشريحية محددة وأصبحت معلومة لدينا وأمكن دراستها بشكل واضح ودقيق وأمكن خلال بعض العمليات التأثير على هذه المراكز وملاحظة ردة الفعل التي تنشأ في التفكير أو المزاج أو الذاكرة أو غير ذلك، وأصبحت البحوث العلمية متطورة لدرجة عظيمة بحيث أن علماء الطب النفسي أصبحوا على درجة كبيرة من الفهم لأسباب حدوث الأمراض النفسية وما هي التغييرات الكيميائية والكهربائية التي إذا حدثت سوف تؤدي إلى حدوث أمراض نفسية معينة مثل اختلال التفكير أو المزاج أو تغيير السلوك أو تغيير الصوت أو حدوث حدوث حركات لا إرادية بالجسد والعضلات أو حتى فقدان الذاكرة أو الشلل النفسي أو الأمور الأخرى التي هي كثيرا ما تثير فضولا أو تساؤلات الناس وقد يرجعها البعض إلى مشاكل وأسباب دينية بينما يفسرها أطباء النفس على أنها أمور كيميائية وبيولوجية محددة – وأنا أرى أن الأمور فيها قدر من التداخل تحتاج إلى وقفة يجتمع فيها علماء الدين ورجال الطب بشكل عام ولا أحدد هنا تخصصا دون الآخر لأنه حينما نقول إن الدين فيه شفاء للنفوس وراحة للصدور فأنا أفهم من ذلك أن الدين يؤدي إلى أن يشعر الإنسان بحالة من التصالح والتناغم بينه وبين نفسه وجسده وبيئته وربه وأن هذه الحالة من الراحة والصفاء تؤدي إلى حسن أداء الجسد لوظائفه وبالتالي تعمل أجهزة الجسد جميعها في يسر وهدوء وهذا بالطبع يحافظ على حسن سير هذه الأجهزة وعدم تعرضها للتلف أو الأمراض. ومن هنا فإن الالتزام بالدين وشرع الله سبحانه وتعالى والاقتراب من أوامره والبعد عن نواهيه وعدم إتيان المعاصي والالتزام بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في المأكل والمشرب والنوم والاستيقاظ والاسترشاد بأعماله وأفعاله سوف يحافظ على صحة الجسد بشكل عام وأجهزته المختلفة مثل القلب والصدر وأهم هذه الأجهزة بالطبع هو المخ ووظائف المخ العليا وبذلك نصل إلى تمام الصحة النفسية والجسدية للإنسان. لذلك فإني أعتقد بعد هذا التوضيح أن اختزال المشاكل النفسية في أمور منشأها ديني فقط أصبح أمر يحتاج إلى مراجعة خصوصا أن المعطيات التي في حوزتنا تفيد أن كثيرا من الأمراض النفسية قد تصيب رجالا مشهودا لهم بالإيمان والتقوى كما تصيب رجالا آخرين ضعيفي الإيمان. وبالتالي فإن موضوع قصر الدعوة بالالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى لطلب الشفاء ليس أمرا مقصورا على المشاكل النفسية فقط، وإنما في رأي أنه أمر قد يصلح للاستفادة منه في مختلف الأمراض الطبية بشكل عام إذا أمكننا أن نبحثه ونستنبطه ونجربه ونقننه بشكل علمي.

الصفحات

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below