الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  أن تَعِدَ بِحصادٍ عادِل

أن تَعِدَ بِحصادٍ عادِل

أن تَعِدَ بِحصادٍ عادِل

بقلم- د.سعاد درير كاتبة مغربية
شوقُه إلى منابع الحرية سفينة عابرة، إحساسُه بالآخَرين مظلة ماطرة، وحذاؤه الْمُجارِي لمقاسات قدميه المتحولة أفكار هادرة، أفكار ليست ملتوية ولا منتمية إلا إلى حزبه هو، هو الأمَّارة نفسه بالاحتراق لا لشيء سِوى لعتق الأعناق.. لكل هذا كان هو، وكان كتابُه الذي شَوَّقنا إلى معرفة كاتبه عن كثب:
«هذا الكتاب ما هو إلا صرخة إنذار لكل الأحياء، وهي أولا صرخة ألم: لأن العالَم كله هو جسدي، ولقد شعرتُ بالألم في فلسطين وفي سيرتاو بالبرازيل، ورأسي يَحترق من التمرد، لأن معظم زعمائنا السياسيين أو الروحانيين لا يتمردون، أو أنهم أصابوا الخواء. إنها أيضا صرخة أمل: لأنني أعلم تماما أنني لست وحدي. فأنا ابن مليارات من الموتى الذين لم يعرفوا أبدا إن كان من الممكن أن يستفاد من حياتهم وآلامهم وموتهم. ولكن أملهم سيعيش ألف عام في صدور أبنائنا» (روجيه غارودي، كيف صنعنا القرن العشرين؟، ترجمة: ليلى حافظ).
على أمواج أفكار كيرك جارد المترامية على امتداد مُحيط أفكار كارل ماركس، ظل قارب روجيه غارودي Roger Garaudy يتهادى، يتهادى باحثا له عن شاطئ أمان تستقر فيه رُؤاه الفكرية..
إنها رُؤى لم تَأتِ مِن فراغ، ولم تَكن تُوَجِّهها بوصلة الحظ أو تُسَيِّرُها أقدام قَدَرِ الصُّدْفَة التي لم يَسبق لها أن تَحَكَّمَت في اختيارات الإنسان..
«خلال تلك المرحلة الأولى مِن رحلتي الاضطرارية، بدا لي وكأنني - في مرحلة عمري العشرينية تلك، وفي إطار الثقافة الفلسفية لتلك المرحلة السّنّية - أعيش أفكار كيرك جارد وكارل ماركس في آن واحد. بدا لي أنني أعيش أفكار كيرك جارد، لأنه اقترح في كتابه «الخوف والارتعاد» الذي كتب فيه تأملاته حول تضحية ابراهيم أنه، إذا تجاوزنا منطقنا البسيط وأخلاقياتنا البسيطة المؤقتة، يمكن أن تنبثق مطالب بلا حدود. ولقد وجدت في تلك الفكرة ما يقضي على فكرة الفردية السخيفة.. اكتشفت الأهمية الحية للقيم المطلقة، ولإله ليس بعيدا.. ولكنه قد يَفرض وجوده كمطلب داخلي لا يمكن رفضه.. أما في أفكار ماركس.. وجدت مطلبا آخر: وهو ألا يدعي المرء القدرة على أن يحل وحده - فكريا فحسب - المشكلات التي انبثقت عن تلك الفوضى العالمية، ولكن عليه أن ينضمّ إلى قوة لمقاومة الفوضى وأن يناضل من خلالها» (روجيه غارودي، كيف صنعنا القرن العشرين؟).
هل كان الحظ يُطَبِّل للفيلسوف والسياسي والكاتب الفرنسي روجيه غارودي حين شاء له قَدَرُه أن يجعلَه ابن النار وأسيرا مقيدا بجذع شجرة برتقال الترقب الْمُرَّة؟:
«قد يَكون مِن الحظ أن تُولَد مرتين في النار: فتُولَد في عام 1913 عشية الحرب العالمية الأولى، وأن تَكون في العشرين مِن عمرك عام 1933 عندما تُخَيِّم على أوروبا الأزمة الكبرى ويَأتي بعدها هتلر إلى السلطة» (روجيه غارودي، كيف صنعنا القرن العشرين؟).
حياة روجه جارودي صحيح أنها شكلت حلبة تتضارب فيها أفكار كيرك جارد وكارل ماركس، لكن مَن يُصدِّق أن هذه الحياة نفسها كان يطمح إليها سارتر بجلالة قَدْرِ فلسفته..
إنها حياة تمرد بلغ ذروته مع صاحبنا روجيه غارودي الذي أراد الاستقالة لِصُناع التاريخ المزيف حتى يترك كتابة التاريخ الحقيقي لأبطال بَرَتْهُم مِبْرَاة الانتظار والانكسار والتشظي والانشطار إكراما لكلمة حق..
«سنحارب حتى آخِر نَفس كل هؤلاء الذين يُريدون أن يفرضوا علينا بقوة المليارات والصواريخ تاريخا كاذبا ومستقبلا أُفْرِغَ من معناه، يريدون أن يفرضوا علينا الصمت على حقائقنا الجزئية والمضطربة» (روجيه غارودي، كيف صنعنا القرن العشرين؟).
إنه التاريخ الذي تَستعصي كتابته بلا غموض، لا لشيء سوى أن الإنسان «لا يصنعه بطريقة مجردة أو تحت ظروف اختارها، ولكن في ظروف أعطيت له مباشرة وورثها من الماضي» (روجيه غارودي، كيف صنعنا القرن العشرين؟).
عام 1982 ضرب التاريخ لروجيه غارودي موعدا لا يتكرر، إذ كان الوقت قد آن ليعلن روجيه غارودي ارتباطه الروحي بالإسلام حتى يتوصل إلى المعنى الحقيقي للإنسان، ومِن ثمة رسالته في كل زمان..
ولا غرابة أن يأتي التصريح بإسلامه بعد فترة طويلة كان قد بدأ يَتَكَيَّف فيها تدريجيا مع المناخ النفسي والاجتماعي للمسلمين الذين كما عهدناهم قد دَأَبُوا على أن يَضربوا المثل في التسامح واحترام المبادئ والترفع عن إهانة الإنسان لأخيه الإنسان..
معتقدات روجيه غارودي في ما يتعلق بتحقيق مطلب العدالة الاجتماعية طيلة زمن إخلاصه للمدّ الشيوعي لم تَجِدْ فجوة للتسلل إلى دائرة الضوء من خلف درجها المغلق ولا هي كانت تَقوى على النزول إلى أرض الواقع.. غير أن رائحة السلام المنبعثة مِن معطف الإسلام كانت قد شجعت روجيه غارودي بما يَكفي للتفكير في تسخين عضلاته الروحية..
إن تجربة الدخول في الإسلام عَلَّمَتْ صاحبَنا روجيه غارودي أن ديننا هو المدخل الطبيعي والباب الوحيد الذي سيسمح بخلع جبّة الاهتمام النظري الفضفاض وارتداء وزرة العمل التطبيقي..
عناوين روجيه غارودي في كتابه «كيف صنعنا القرن العشرين؟» تُثَمِّن بما لا يَدَع مجالا للشك بنودا أخرى من قانون التمرد، وتُذَيِّل بسلاسل جبال خريطةَ التحدي الحريص هو على رسمها بالكائن والممكن من الألوان بعيدا عن سياسات أقلام وهمية تَكفر بالمستحيل أو تُطالِب بأن نَصطاد البديل.. وهنا شيء من عنفوان العنوان:
- عالَم اللامعنى..
- أن تعيش قرنا يحترق..
- الولايات المتحدة: رائدة الاضمحلال..
- فردية الغابة ومولد الذئاب..
- وحدانية السوق..
- الولايات المتحدة: مستعمرة إسرائيلية؟!
- لنكن معقولين، ونطالب بالمستحيل..
في جُلّ ما آمَنَ به قَلَم روجيه غارودي، يَحرص هو قدر الإمكان على أن يُذَكّر برسالة الإنسان في مسعاه إلى مفاتيح العدالة الاجتماعية، من هنا كان روجيه غارودي يَدعو إلى الاتحاد، لكنه اتحاد الإنسان مع الإنسان وليس اتحاد الإنسان ضد الإنسان..
وهنا لا مجال للقفز عن صَدّ روجيه غارودي لمارد النموذج الأميركي الذي رأى فيه الوجه الآخَر لاتحاد الأقوياء الأغنياء ضد الضعفاء الفقراء.. إن روجيه غارودي يعلن ثورته الناقمة على كل الأنظمة الغربية الفاسدة تلك التي لا يُرضيها سِوى منطق الربح الأمَّار بطحن الدول الغنية للدول الفقيرة..
ومِن هنا كان روجيه غارودي على امتداد رحلته العمرية وتجاربه الحياتية والسياسية يُذَكِّر (بِـ) ويسطِّر على أهمية الارتقاء بالعمل السياسي بعيدا عن مستنقعات انحطاط الذوق وانحدار الأخلاق..
فالسياسة صيَّرَها روجيه غارودي ثروة من الصعب الاستفادة منها ما لم يكن صاحبها مُلَقَّحا بحقنة حُبّ الخير لغيره.. إنها لا تَخرج عن عملة صعبة من غير الممكن تداول أوراقها تداولا يَعِدُ بأرباح، لماذا؟ لأن السياسة ليست غير «الإحساس بأن كلا منا مسؤول عن مصير كل الآخَرين» (روجيه غارودي، كيف صنعنا القرن العشرين؟).
وأكثر مِن هذا، يَمضي روجي غارودي أبعد من هذه الخطوات وهو يربط قدسية العمل السياسي الخالص بالإيمان والفن.. فــ«العمل السياسي والإيمان والإبداع الفني كل ذلك يعتبر شيئا واحدا» (روجيه غارودي، كيف صنعنا القرن العشرين؟).
روجيه غارودي لم يَلج دائرةَ اهتمام العالَم العربي بقوة إلا بعد أن حمل حقيبة العقيدة الإسلامية بعد أن أَفْرَغَ حقيبته الشيوعية مِن كل ما لا يتناسَب مع خصوصية التربة الإسلامية تلك التي تَعِد بحصاد عادِل..
إنها العدالة التي هام روجيه غارودي بحثا عنها مؤمنا كل الإيمان بأن الإنسان ابن بيئته الاجتماعية، بالتالي لا يمكنه جني شيء مِن بلح نخلة التميز والاعتراف بالعظمة إلا في ظِلّ العلاقات التي تمدّ أكثر مِن جسر وحبل إلى بَنِي بيئته وسِواهم مِن الخَلق..
هذه الجسور الممدودة بالتراضي هي التي تَرسم حدود وظلال الفعل الإنساني الذي لا يتوقف عند حدود قَدَمَيْ الإنسان الواحد، إنما يتمدد وهو يُحَرِّكُه هاجس أن يَضفرَ الخطى لا أن يَحلّها، فالاعتراف بوجوده معناه الاعتراف بوجود الآخرين الذين يشترك معهم في ما لا حصر له من العلاقات..
كغيره مِن الأحياء الأموات، مازالت كُتُب روجيه غارودي تُغْرِي بالدُّنُوّ، كيف لا وهي تُخَلِّد مسيرة الرَّجُل الذي لم يُقَصِّر في تسجيل مواقفه والمحاربة بآرائه وامتشاق سيف فلسفته البتّار لمحاولة حلّ مشاكل السياسة والمجتمع..
لكنه الآخَر الرافض دائما للتوجه وخطّ التفكير، وهذا الآخَر هو الذي كان سببا في تضييق الخناق على روجيه غارودي إلى درجة الحُكم عليه بالسجن بتهمة تشكيكه في محرقة اليهود.. لكن هيهات!

اشترك في خدمة الواتساب
إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below