الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  إحنا بتوع الأتوبيس

إحنا بتوع الأتوبيس

إحنا بتوع الأتوبيس

هشام عبد الحميد كاتب مصري
هذا عنوان لفيلم قُدّم في أواخر السبعينيات عن قصة لجلال الدين الحماصني، من إخراج حسين كمال، وبطولة عبد المنعم مدبولي وعادل إمام. الفيلم يحكي عن تجاوزات وانتهاكات النظام الناصري في المعتقلات بحق الأبرياء من مسجوني الرأي.
توقفت عند حديث لعبد المنعم مدبولي (مع حفظ الألقاب) يشرح لقطة بالفيلم المذكور، تتعلق بمشهد الكلب، وهو المشهد الذي يُؤمر فيه مدبولي في المعتقل بتقليد الكلب حركةً وصوتا، كنوع من الإذلال وامتهان الكرامة. وقد ذكر مدبولي في معرض حديثه أن هذا المشهد لم يكن في السيناريو، وقد أضافه بعد أن استوحاه من لحظة حقيقية مر بها جيرانه في الشقة المقابلة، حينما سردت الجارة لزوجة عبد المنعم مدبولي كيف أنها ذهبت وابنتها لزيارة زوجها في المعتقل في السجن الحربي، الذي كان يديره وقتها اللواء حمزة البسيوني (أو «حمزة كينغ كونغ»، كما كان يُطلق عليه من قبل المعتقلين في السجن، نظرا لتجاوزاته الوحشية بحقهم).
تستطرد السيدة بمرارة كيف كان يأمر حمزة زوجها أثناء الزيارة، بتقليد حركات وصوت الكلب، فيضطر الزوج للتنفيذ صاغرا، ويصبح على أربع.. يجري الحوار على الشكل التالي:
حمزة: انت إيه دي الوقت؟
المعتقل: أنا كلب يا بيه.
حمزة: والكلب بيعمل إيه؟
المعتقل: بيهوهو.
حمزة: طيب هاوهاو.
المعتقل: هاوهاو.
حمزة: بصوت أعلى..
المعتقل (بصوت أعلى): هاو هاو. هذه الواقعة بمرارتها تحمل لنا صورة مصغّرة لما كانت عليه معتقلات الستينيات، التي ما زال البعض يعتقد أنه يمكن تعويض هذا بنهضة كبرى، وإن كانت لها ضريبتها الفادحة مثل ضحايا سجناء الرأي.
أقول لهؤلاء إن فاقد الشيء لا يُعطيه، ففقدان الكرامة تكسر البشر، وتجعلهم في حالة انهيار، والكبت والقمع يجعلان البشر يعشون تحت قهر وذل الخوف، ويجر ذلك وراءه تداعيا وانحدارا لكل القيم، فيصبح المجتمع بائسا وأجوف وجبانا، ولا يستطيع التعبير عن ذاته، ولا يستطيع الشكوى والتنفيس عن قهره في أي نوع من أعماله. هذا أخطر ما تعيشه المجتمعات الرازحة تحت سطوة الاستبداد.
الحرية هي أكسير الحياة، حتى لا يُساق الناس كالغنم في عربة الترحيلات، وهم يغنون بزيطة وزنبليطة: إحنا بتوع الأوتوبيس.

الصفحات

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below