الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  مقتـطــفـات صحفـيــة

مقتـطــفـات صحفـيــة

مقتـطــفـات صحفـيــة

} إذا كان الكاتب لا يعرف كيف يأخذ من التاريخ القديم والحديث، فلماذا يفعل؟ وقد قلت كثيراً إنني لا أعتب على المبتدئين والناشئين عتبي على الكبار المخضرمين ذوي الخبرة. هذا كاتب من أشهر كتاب «الأعمدة» الصحفية يرتكب جملة أخطاء في مقالة واحدة. يقول إن محمد الماغوط انتسب إلى أحد الأحزاب لأن مقر الحزب كان المكان الوحيد الذي فيه مدفأة في ليالي دمشق الباردة. محمد الماغوط شاعر وكاتب ومؤلف مسرحي، والحزب هو الحزب القومي السوري، ولكن الماغوط لم يكن في دمشق، بل كان في «سلمية» على بعد 33 كيلومتراً من حماة، وليس معقولاً أن يكون مقر الحزب المكان الوحيد الذي فيه مدفأة إذا كنا نتحدث عن دمشق أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن الماضي.
ويقول الكاتب إن «عطر مَنشـَم» هو العطر الذي كان يُرشّ على الموتى، ولو أنه أتعب نفسه قليلاً لوجد أن هذا غير صحيح، وقد صار عطر منشم مثلاً من الأمثال فيقال «دقـّوا بينهم عطر منشم» وقيل في شرح المثل أقوال كثيرة، منها أن منشم كانت امرأة تبيع العطر، وكانوا إذا قصدوا الحرب غمسوا أيديهم في طِيبها، وتحالفوا عليه، وليس في كتب التراث أنه عطر كانوا يرشّونه على الموتى.
وقال الكاتب إن شعراء النقائض احترفوا المديح والهجاء، وهذا غير صحيح. ناقضه في الشيء: خالفه. والنقيضة في الشعر: ما يُنقض به والجمع النقائض، وهي أن ينقض الشاعر الآخر ما قاله الأول، وهي من الفعل «نقض» كنقض البناء والحبل والعهد (ألا تذكرون انتقض وضوءه) وأشهر النقائض نقائض جرير والفرزدق، وليس شعراء النقائض وحدهم من احترفوا المديح والهجاء، فجميع الشعراء العرب ماعدا قلة قليلة فعلوا هذا.
} كتب كاتب شهير في صحيفة مشهورة مقالة عن «الظلم في تطبيق القانون» وقال إن ثمة عبارة شهيرة تتردد وهي «القانون حمار» وبعد أن استطرد في أصل هذه العبارة قال: الأصل «القانون جحش» The law is an ass، وليس حماراً. وبينما الحمار هو رمز للغباء في الثقافات الشرقية فإنه رمز الصبر والعمل الشاق في الثقافة الأنغلوساكسونية. هو كاتب يقيم في لندن ويتباهى بأنه يحمل الجنسية البريطانية، ولكنني عدت إلى معجم «المورد» فوجدت الكلمتين Ass وDonkey بالمعنى نفسه «حمار» ولا أدري ماذا قصد الكاتب بكلمة «جحش» ونعرف أن العامة يسمون الحمار «الجحش» وهذا خطأ، فإحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن اسمها زينب بنت جحش. يقول المعجم العربي: الحمار هو النهّاق سواء كان أهلياً أم وحشياً، والحُمُر الوحشية هي المها. أما الجحش فهو ولد الحمار الأهلي أو الوحشي، كالمهر من الخيل، وقيل من ولادته إلى أن يفطم، ولعله يقابل «الكرّ» عند العامة وهي تسمية ليست فصيحة.
} يخطئ بعض الكتاب ومنهم كبار في استخدام المصطلحات الدارجة مثل: نظرة فوقية ونظرة دونية، فالعرب ينظر إلينا نظرة فوقية، ونحن ننظر إلى أنفسنا نظرة دونية، ولتحديد النظرة يجب أن نتخيل مكان النظر، فالغرب ينظر إلينا من «فوق» لأنه متفوق علينا، وننظر إلى الغرب من «تحت» أي دون، لأننا نعرف تخلفنا وصار عقدة لنا. وكان أحدهم يتحدث عن أحد رؤساء الوزراء، فقال إنه كخلفه غير موفق، ولأبعد الشبهة عن المعني بكلامه أضرب مثلاً رئيس وزراء العراق حيدر العبادي، فهل نقول عن نوري المالكي إنه خلفه؟ إن هذا عكس المفاهيم والواقع، لأن المالكي «سلـَف» العبادي (بفتح اللام)، وهذا «خلـَف» المالكي (بفتح اللام). سلف الشيءُ: مضى، و«سلـَفُك»: كل من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك، ألسنا نقول «السلف الصالح»؟ و«الخلـْف» نقيض قدّام أو أمام، و«خلـَف» فلان فلان إذا كان خليفته، ومن هنا جاءت تسمية أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه «خليفة» لأنه خلـَف رسول الله صلى الله عليه وسلم في إدارة شؤون المسلمين، ثم صار كل من تولى هذه المهمة يسمى خليفة.
} حدثني الأستاذ الدكتور حسام الخطيب مرة بأنه خصص فصلاً دراسياً كاملاً لطلابه لدراسة الأعداد، وفي نهاية الفصل كان الطلاب قد أتقنوا مبحث الأعداد بنسبة 80% وقال إنه فاته أن يعود إليهم بعد فصل أو فصلين ليكتشف كم ترسخت المعلومات في أذهانهم. لكن الأعداد التي تلزم الصحفي في كتاباته ليست «مبحث الأعداد» كله، إنما هي جزء منه، وأهمها اتفاق المعدود والعدد واختلافهما تذكيراً وتأنيثاً، والقاعدة البسيطة أن العدد يخالف المعدود تذكيراً وتأنيثاً إذا كان بين ثلاثة وتسعة (خمسة رجال، ثلاث نساء، تسع مدارس، ثمانية طلاب) أما العددان واحد واثنان فلهما وضع خاص، فلا نقول: رأيت واحد رجل، وجاء اثنان طلاب، بل يأتي العدد بعد المعدود: رأيت رجلاً واحداً، ومررت بطالبين اثنين، وجاء اثنان من الطلاب. يبقى العدد «عشرة» فإذا كان مفرداً عاملناه معاملة الأعداد من ثلاثة إلى تسعة (عشرة جنود، عشر مدن). قاعدة العدد المركب ليست صعبة (15، 13، 19) إذ يخالف الجزء الأول المعدود تذكيراً وتأنيثاً، ويتفق الجزء الثاني مع المعدود (خمسة عشـَر جندياً، سبع عشـْرة حجرة). أطلت عليكم قليلاً، ولكنني فوجئت بمن يدعي علماً يكتب «خمسة عشرة دقيقة» ولم أستغرب من هذا المدعي لأنه كتب «في إحدى المستشفيات» وقد بحّت أصواتنا ونحن نقول: خذوا المفرد من أمثال هذه الكلمات (المستشفيات، المؤتمرات، المقاهي، الموضوعات) ستجدونه مذكراً (المستشفى، المؤتمر، المقهى، الموضوع) عنها يجب أن نضع قبل الكلمة «أحد» وليس إحدى.
} وجدت كاتباً ممن يدعونهم في التليفزيون «محللين سياسيين» يظلم القارئ مرات في جملة واحدة، فالجملة مضطربة أو «مبعككة» كما يقول المصريون، والمعنى غير واضح، ووجد كلمة لا أدري إذا كان يعرف معناها فحشرها في جملته. قال الكاتب «لن تقود الطرق الملتوية والخدع إلى مخرج، كما لا يمكن لحل يفتئت على الشعب، بتجاهل مطالبه إلى سلام واستقرار وأمن» وتوقفت عند فعل «يفتئت» ما معنى هذا الفعل؟ وهل يؤدي إلى المعنى الذي قصد إليه الكاتب؟
«افتأت» بأمره: مضى عليه واستبد برأيه ولم يستشر أحداً، وقرئ الفعل «افتات» بدون همزة، إذن «افتأت يفتئت» لا يعني ما أراده الكاتب، ولم أفهم ما يريده الكاتب بالضبط، هل يعني أن هذا الحل لا يلتفت إلى رأي الشعب؟ أم يعني حلّاً يخدع الشعب ويضلله عن مقاصده ومطالبه؟ أليس من الأسهل للقارئ أن يكتب «لا يمكن لحل يتجاهل مطالب الشعب أن يؤدي إلى سلام وأمن واستقرار».

اشترك في خدمة الواتساب
إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below