الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  أسئلة الرواية الجديدة وجمالياتها

أسئلة الرواية الجديدة وجمالياتها

أسئلة الرواية الجديدة وجمالياتها

كتب- محمد الربيع
كتاب «بحوث‭ ‬في‭ ‬الرّوَاية‭ ‬الجَديدة» للروائي الفرنسي ميشيل بوتور، ترجمة‭: ‬ فريد‭ ‬أنطونيوس صدر ضمن سلسلة كتاب مجلة الدوحة الصادرة عن وزارة الثقافة والرياضة.
يتأمل ميشيل بوتور في كتابه مسيرة هذا الجسد الفني الذي شغل منصات السرد، وكان له رموزه وأبطاله، ويناقش رؤاه الخاصة وموقفه الفلسفي والفني وموقع الرواية الجديدة في خرائط السرد الإنساني. ويستهل كتابه بالإشارة إلى علاقة الرواية بالقصة.
مشيرا إلى أن توافق‭ ‬الأشكال‭ ‬المتنوِّعة‭ ‬للقصّة‭ ‬حقائق‭ ‬متنوِّعة. ‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬يتغيِّر‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة‭. ‬والتقنيات‭ ‬التقليدية‭ ‬للقصّة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬صالحة‭ ‬لاستيعاب‭ ‬جميع‭ ‬العلاقات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬الجديد،‭ ‬فينتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬قلق‭ ‬دائم. ‬ ويتعذَّر‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬ننظِّم،‭ ‬في‭ ‬ضميرنا،‭ ‬جميع‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تهاجمه‭ ‬لأن‭ ‬الأدوات‭ ‬الكاملة‭ ‬تنقصنا‭.‬
إن‭ ‬التفتيش‭ ‬عن‭ ‬الأشكال‭ ‬الجديدة‭ ‬الخيالية‭ ‬التي‭ ‬تتمتَّع‭ ‬بقوّة‭ ‬استيعاب‭ ‬كبرى،‭ ‬يلعب،‭ ‬إذن،‭ ‬دوراً‭ ‬ثلاثياً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬مفهومنا‭ ‬للواقع،‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬إيضاح‭ ‬وارتياد‭ ‬وتطبيق‭.‬
ويتساءل بوتور كيف‭ ‬السبيل‭ ‬إلى‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬الفلسفة‭ ‬والشعر؟‭ ‬ظهرت‭ ‬لي‭ ‬الرواية‭ ‬حلّاً‭ ‬وحيداً‭ ‬لهذه‭ ‬المشكلة‭ ‬الشخصية،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬أظهرت‭ ‬لي‭ ‬دراسة‭ ‬كبار‭ ‬الكُتّاب،‭ ‬في‭ ‬القرنَيْن: ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬والعشرين،‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبية‭ ‬لهؤلاء‭ ‬تطبيقا‭ ‬موافق‭ ا‬لعبارة‭ ‬مالارميه‭ ‬هذه:‬
«‬‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬يُبذَل‭ ‬جهدٌ‭ ‬لتحسين‭ ‬الأسلوب،‭ ‬يكون‭ ‬هنالك‭ ‬نظم‭ ‬شعر‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبية‭ ‬يتمّ‭‬‮ «‬انعكاس»‬‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُدفع‭ ‬به‭ ‬بعيداً،‭ ‬أقلّه‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬وصف‭ ‬الأشياء‭ ‬وصفاً‭ ‬منظّماً،‭ ‬يمكن‭ ‬إلحاقه‭ ‬في‭ ‬إطالة‭ ‬التطوُّر‭ ‬الفلسفي‭ ‬المعاصر‭ ‬الذي‭ ‬يجد‭ ‬أوضح‭ ‬تعبير‭ ‬عنه،‭ ‬وأنسب‭ ‬حلّ‭ ‬لمشاكله‭ ‬في‭ ‬المظاهر‭ ‬الحسِّيّة‭.‬
إن‭ ‬الشاعر‭ ‬يستعين‭ ‬بعلم‭ ‬العروض،‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬النموذج‭ ‬الكلاسيكي،‭ ‬ممّا‭ ‬يقوم،‭ ‬حاليّاً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬على‭ ‬العدّ‭ ‬حتى‭ ‬اثني‭ ‬عشر‭ ‬مقطّعاً،‭ ‬أم‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الأنموذج‭ ‬السريالي‭ ‬ممّا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬صور‭ ‬متتابعة‭ ‬متناقضة،‭ ‬فالشاعر‭ ‬يخترع‭ ‬وهو‭ ‬يتلاعب‭ ‬بالكلمات‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬الأشكال،‭ ‬ويبذل‭ ‬جهده‭ ‬لينظمها‭ ‬وفقاً‭ ‬لضرورات‭ ‬الرنّة‭ ‬والبصر،‭ ‬وهكذا‭ ‬يتوصَّل،‭ ‬ثانيةً،‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬معناها،‭ ‬وإلى‭ ‬تعريتها،‭ ‬معيداً‭ ‬إليها‭ ‬إشراقها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الحياة‭.‬
ونحن،‭ ‬بتوسعينا‭ ‬معنى‭ ‬كلمة‭ ‬أسلوب،‭ ‬وهذا‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬الرواية‭ ‬الحديثة‭‬،‭ ‬وبتعميم‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة،‭ ‬وأخذها‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭ - ‬يسهل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نظهر‭ ‬أننا،‭ ‬باستعمالنا‭ ‬تراكيب‭ ‬تتمتَّع‭ ‬بقوّة‭ ‬كافية،‭ ‬شبيهة‭ ‬بالتراكيب‭ ‬الشعرية،‭ ‬وشبيهة‭ ‬بالتراكيب‭ ‬الهندسية‭ ‬أو‭ ‬الموسيقية،‭ ‬ويتلاعبنا‭ ‬تلاعباً‭ ‬منظَّماً‭ ‬بعناصر‭ ‬البعض،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬العناصر‭ ‬الأخرى،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬البيان‭ ‬الذي‭ ‬ينتظره‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬عروضه،‭ ‬استطعنا‭ ‬أن‭ ‬نجمع‭ ‬قوى‭ ‬الشعر‭ ‬داخل‭ ‬وصف‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬أردأ‭ ‬أنواع‭ ‬الابتذال‭.‬
وفي بحثه عن «الأسلوب»، يقدم بوتور مراجعة شاملة لتراث الشعر والسرد ويتطرق إلى علاقة الموسيقى بالرواية، مشيرا الىخبرات اندريه بريتون وماكس ايرنست وديستوفيسكي وبلزاك وادغار آلان بو وبودلير وسيرفانتس وبروست. بحثا عن خصوصية الأسلوب وموقع الأفكار والوقائع والتعبير اللغوي في إنتاجهم.
وفي إشارته «لشعرية الرواية» وتقاطعات السرد وفنون الشعر يرقول بوتور: إن‭ ‬الرواية‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬شعرية‭ ‬بالمقاطع،‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بمجموعها‭ ‬ونحن‭ ‬نعلم‭ ‬جيّداً‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المقاطع‭ ‬التي‭ ‬نعتبرها،‭ ‬لأوَّل‭ ‬وهلة،‭ ‬شعرية،‭ ‬عند‭ ‬كبار‭ ‬الروائيين‭ ‬كبلزاك،‭ ‬وستاندال،‭ ‬ودويستوفيسكي،‭ ‬لهي‭ ‬مرتبطة‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬بغيرها‭ ‬من‭ ‬المقاطع‭.‬ وإذا‭ ‬ما‭ ‬فُصِلت‭ ‬عنها‭ ‬فقدت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬شعريَّتها،‭ ‬وهي‭ ‬مرتبطة،‭ ‬كذلك،‭ ‬بعنصر‭ ‬معروف‭ ‬منذ‭ ‬القديم،‭ ‬ألّا‭ ‬وهو‭ ‬الأسلوب،‭ ‬أي،‭ ‬بالضبط،‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بالتعرف‭ ‬إلى‭ ‬الكاتب،‭ ‬وتمييزه‭ ‬عن‭ ‬غيره.‭ ‬والأسلوب‭ ‬هو‭ ‬مبدأ‭ ‬الاختيار‭ ‬ضمن‭ ‬إمكانات‭ ‬اللّغة‭ ‬والألفاظ،‭ ‬والتراكيب‭ ‬النحوية،‭ ‬التي‭ ‬هي،‭ ‬أحياناً،‭ ‬من‭ ‬الدقّة‭ ‬بحيث‭ ‬نستطيع‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬بالأرقام‭.‬ فنقرِّر‭ ‬مثلاً‭ ‬قوة‭ ‬بعضها،‭ ‬ونتبع‭ ‬تطورها‭.‬ إنها‭ ‬إحدى‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬مكَّنت‭ ‬من‭ ‬إدخال‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬والترتيب‭ ‬في‭ ‬تسلسل‭ ‬محاورات‭ ‬أفلاطون‭.
قال‭ ‬مالارميه: ‭‬‮«‬إن‭ ‬الشكل‭ ‬المسمّى‭ ‬شعراً‭ ‬لهُوَ‭ ‬الأدب،‭ ‬بكلّ‭ ‬بساطة،‭ ‬فكلَّما‭ ‬قوي‭ ‬الألقاء‭ ‬ظهر‭ ‬الشعر،‭ ‬وكلَّما‭ ‬كان‭ ‬هنالك‭ ‬أسلوب‭ ‬كانت‭ ‬الرنّة‭ ‬الشعرية‮».‬ ‬وعندما‭ ‬يصبح‭ ‬مفهوم‭ ‬الشعر‭ ‬هذا‭ ‬مفهوماً‭ ‬عامّاً،‭ ‬وعندما‭ ‬يهتمّ‭ ‬الكاتب -‬مثلاً‭ -‬باتِّباع‭ ‬إيقاع‭ ‬معيَّن،‭ ‬يقوم‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬مقام‭ ‬علم‭ ‬العروض،‭ ‬بجميع‭ ‬مقتضياته‭.‬
إلّا‭ ‬أن‭ ‬الأسلوب‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬نختار‭ ‬بها‭ ‬الألفاظ‭ ‬في‭ ‬الجملة،‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬تتناسق‭ ‬بها‭ ‬الجمل،‭ ‬الواحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬والمقاطع،‭ ‬والفصول،‭ ‬وعلى‭ ‬جميع‭ ‬مستويات‭ ‬هذا‭ ‬البناء‭ ‬الضخم‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الرواية،‭ ‬يمكن‭ ‬وجود‭ ‬أسلوب،‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬خارجي،‭ ‬وتفكير‭ ‬في‭ ‬الشكل،‭ ‬و‭-‬من‭ ‬ثَمَّ- ‬عروض‭.‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يسمّونه ‭‬‮«‬التقنية‮»‬،‭ ‬في‭ ‬الروايات‭ ‬المعاصرة‭.‬
يستعرض بوتور في كتابه تفاصيل التفاصيل في فنون السرد والأسلوب الذي يتبناه هو شخصيا، وتتبناه الرواية الجديدة في بحثها عن شخصية مميزة في مضمار تراث السرد الواسع والكبير.

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below