الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  مـعـــركــة حـــامــية

مـعـــركــة حـــامــية

مـعـــركــة حـــامــية

المركز العربي للأبحاث
تشير ملامح دورة انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2020 إلى أنها ستكون واحدة من أهم الدورات في التاريخ الأميركي، ويمكن القول إن الرئيس الأميركي الأكثر إثارةً للجدل، دونالد ترامب، سيُختار مرة أخرى على الأرجح مرشحًا عن الحزب الجمهوري لمنصب الرئاسة، لكن من الواضح أنه من السابق لأوانه التكهن إن كان سيفوز مرة أخرى في الانتخابات -المقررة في 3 نوفمبر 2020- أم سيخسر أمام مرشح ديمقراطي، سيُختار من بين أكثر من 20 متنافسًا يتهيأون حاليًا لخوض انتخابات تمهيدية صعبة تبدأ في فبراير 2020.
تكتسب الانتخابات أهمية كبرى أيضًا، لأنها تشتمل على منافسة قوية للسيطرة على الكونغرس السابع عشر بعد المائة بمجلسيه النواب والشيوخ؛ إذ يسيطر الحزب الديمقراطي في الكونغرس الحالي على مجلس النواب، بعد انتصار كبير في انتخابات 2018 بأغلبية 235 عضوًا مقابل 199 للجمهوريين. أما مجلس الشيوخ، ففيه أغلبية جمهورية من 53 سيناتورًا، مقابل 45 ديمقراطيًا، واثنان مستقلان يصوتان عادة مع الديمقراطيين. وهناك جولات تنافس على مناصب حكام الولايات ومناصب حكومية منتخبة أخرى، من الآن وحتى يوم الانتخابات في نوفمبر 2020، فضلًا عن مبادرات اقتراع بشأن قضايا اجتماعية وغيرها.
الانتخابات الرئاسية
تجرى انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة كل أربع سنوات. وطبقًا للتعديل الثاني والعشرين لدستور الولايات المتحدة -الذي أقره الكونغرس في 21 مارس 1947 ووافقت عليه الولايات في 27 فبراير 1951- يمكن تجديد ولاية الرئيس مرة واحدة فقط؛ ما يتيح للرؤساء مدة خدمة أقصاها ثماني سنوات. ويؤدي نائب الرئيس اليمين ليتولى الرئاسة إذا مات الرئيس أو أصيب بعجز أو استقال أو أقيل من منصبه، ويمكن هذا الرئيس أن يرشح نفسه مرة أخرى في المنصب، مرتين إذا تولى المنصب بعد مضي سنتين من فترة رئاسة الرئيس السابق، ومرة واحدة فقط إذا كان قبل ذلك.
هل سيحتفظ ترامب، الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة، بمنصبه لولاية ثانية؟ يتوقف ذلك على شروط عدة تتعلق بسجله الحالي في منصبه، والإنجازات والإخفاقات، والوفاء بالوعود السابقة، وجدول الأعمال المستقبلي، ومواقف أيديولوجية، وغيرها. وبالمثل، تحدَّد هوية المنافس الديمقراطي بعد موسم انتخابي تمهيدي طويل يستمر من فبراير 2020 إلى يوليو من العام نفسه، حيث تُجرى فيه علنًا مناقشة ساخنة لأفكار وبرنامج وجداول أعمال ومواقف سياسية. وتحدَّد هوية المنافس أيضًا عبر قدرة هذا المرشح أو ذاك على إجراء صفقات، وبناء تحالفات من أجل كسب تأييد أغلبية المندوبين الذين يمكنهم دفعه إلى موقع المنافس على المنصب الرئاسي في المؤتمر القومي للحزب الديمقراطي، المقرر عقده في الفترة 13-16 يوليو 2020 في ميلووكي، ولاية ويسكونسن.
وفي ضوء ما تبدو عليه الأمور في مرحلة التنافس هذه، يُرجّح أن يكون ترامب مرشح الجمهوريين لمنصب الرئاسة. ويتوقع أن يحظى بدعم الأغلبية الساحقة من المندوبين إلى المؤتمر القومي للحزب الجمهوري، المقرر عقده في الفترة 24-27 أغسطس 2020 في تشارلوت، ولاية نورث كارولينا.
لقد أعلن بيل ويلد، وهو جمهوري معتدل، وحاكم سابق لولاية ماساتشوستس، عزمه على منافسة الرئيس على ترشيح الجمهوريين. وكان ويلد شخصية محترمة بين صفوف الجمهوريين قبل أن يعيد الرئيس ترامب تشكيل سياسات الحزب. كما أعلن جمهوري آخر، وهو النائب السابق المحافظ جو والش، الذي مثل الدائرة الانتخابية الثامنة في ولاية إلينوي من عام 2011 إلى 2013، عزمه على منافسة ترامب على ترشيح الحزب. من حيث الجوهر، يُعد كل من ويلد الذي ترشح لمنصب نائب الرئيس بصفة مستقل في عام 2016، ووالش، مرشحَي احتجاج يمثلان القيم القديمة للحزب.
أما من جانب الديمقراطيين، فإن الميدان واسع، ويُنتظر غربلته مع مرور الوقت، ولا سيما عند بدء موسم الانتخابات التمهيدية في فبراير 2020. ويتوقع أن يبقى عدة متنافسين بارزين أقوياء في المعركة الانتخابية التمهيدية. ومن بين هؤلاء جو بايدن الذي شغل منصب نائب الرئيس باراك أوباما في الفترة 2009-2017، والسيناتور كوري بوكر (ديمقراطي عن ولاية نيوجرسي)، وكامالا هاريس (ديمقراطية عن ولاية كاليفورنيا)، وإيمي كلوبوشار (ديمقراطية عن ولاية مينيسوتا)، وبيرني ساندرز (مستقل عن ولاية فيرمونت)؛ وهو مستقل ولكنه يترشح بصفة ديمقراطي.
أظهرت تقارير جديدة أن الرئيس ترامب في وضع لا يحسد عليه في مواجهة العديد من هؤلاء المرشحين، لكن قد يجلب موسم الانتخابات مفاجآت عديدة، حتى موعدها في نوفمبر 2020.
معركة الوصول إلى الكونغرس
تجرى انتخابات السلطة التشريعية كل عامين، فيطرح للانتخاب جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدًا، يشغل كثيرًا منها، عادة، أعضاء يتطلعون إلى تجديد ولايتهم. ويُنتخب أيضًا كل عامين ثلث مقاعد مجلس الشيوخ، أي إما 33 أو 34 مقعدًا، وستكون 34 في عام 2020، يشغل 22 منها حاليًا جمهوريون و12 ديمقراطيون.
لن يعيد بعض الأعضاء الحاليين ترشحهم، وهذا يعطي الديمقراطيين ميزة واضحة؛ لأن العضوية عامل مساعد. لقد منحت انتخابات 2018 الديمقراطيين انتصارًا حاسمًا في مجلس النواب، لكنهم أخفقوا في الفوز بمجلس الشيوخ، ويتعين عليهم في العام المقبل التمسك بعددهم الحالي البالغ 45 مقعدًا (نائبان مستقلان مع الديمقراطيين) والفوز بثلاثة مقاعد إضافية على الأقل.
يتوقع أن تتصف الدورة الانتخابية الحالية للسيطرة على مجلسي الكونغرس بالمنافسة الشديدة وبالأهمية القصوى التي تكتسيها نتائجها. وترجح التوقعات أن يبقى مجلس النواب في أيدي الديمقراطيين، حتى لو خسروا بعض المقاعد في عام 2020، وهو احتمال مستبعد. وما يأمل الديمقراطيون تحقيقه حاليًا هو الاحتفاظ بمقاعد مجلس الشيوخ الثمانية التي يدافعون عنها هذا العام، وإزاحة الجمهوريين عن ثلاثة أو أربعة مقاعد أخرى أو الفوز بها. وستكون ثلاثة كافية، إذا فاز الديمقراطيون بمنصب نائب الرئيس في عام 2020، وإلا فإنهم يحتاجون إلى أربعة مقاعد للحصول على الأغلبية في مجلس الشيوخ. يكلف الدستور الأميركي نائب الرئيس برئاسة مجلس الشيوخ، لكنه لا يستطيع التصويت إلا إذا كان هناك تعادل في عدد الأصوات في أي مسألة.
من أهم نتائج السيطرة على مجلسي الكونغرس قدرة حزب ما على مساعدة رئيس على رأس عمله ينتمي إلى ذلك الحزب أو تحقيق توازن ضد رئيس من حزب معارض، وهذا متأصل في دستور الولايات المتحدة بموجب مبادئ المساواة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والفصل بين السلطات.
إن الوضع السياسي في واشنطن اليوم هو نوع من «حكم منقسم»، فالرئيس ومجلس الشيوخ في أيدي الجمهوريين، بينما مجلس النواب في أيدي الديمقراطيين، ويؤدي ذلك إلى شلل سياسي في قضايا عدة مهمة مثل الموازنة والهجرة والضرائب وغيرها. لكن يمكن، في بعض الأحيان، أن تتفق أغلبية كبيرة في كلا المجلسين على قضايا معينة، ولا سيما إذا وافق الرئيس على ذلك.
وللسيطرة على مجلس النواب أهمية خاصة، لا سيما في الوقت الحاضر؛ فللمجلس سلطة دستورية لإدانة رئيس على رأس عمله والتهديد بعزله. ذلك أن المادة الثانية من الدستور تنص على أنه يمكن اتهام الرئيس بارتكاب «جرائم وجنح كبيرة»، ويمكن بعد إجراء تحقيق في سلوك الرئيس أو في جريمة ارتكبها، وإذا صوتت أغلبية أعضاء مجلس النواب على إدانته، أن يقدم إلى المحاكمة في مجلس الشيوخ، فيُدان ويُنحّى عن منصبه إذا وافق ثلثا أعضاء مجلس الشيوخ على الحكم. وقد أدين الرئيس بيل كلينتون (1993-2001) في عام 1998 في مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، لكن لم يتمكنوا من الحصول على 67 صوتًا (من أصل 100) في مجلس الشيوخ لإزاحته من منصبه وإنهاء ولايته. أما الرئيس ريتشارد نيكسون، فقد استقال من منصبه قبل أن يصوت مجلس النواب على بنود الإدانة أو يصوت مجلس الشيوخ على عزله.
من جانب آخر، تحظى السيطرة على مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة بأهمية خاصة، حيث ينظر المجلس في التعيينات الإدارية في السلطة التنفيذية خارج ملاك البيت الأبيض؛ إذ تدقق لجان متخصصة في مجلس الشيوخ في جميع المناصب الاتحادية، خارج ملاك البيت الأبيض، وفي جميع القضاة الاتحاديين، وبعد الموافقة عليهم، تُطرح أسماؤهم للتصويت عليها في المجلس.
ويمكن أن يجعل مجلسُ الشيوخ الرئيسَ مرتاحًا بالموافقة على جميع الموظفين في الجهاز الإداري وقضاته المختارين للمحاكم الفيدرالية على جميع المستويات، ولا سيما في المحكمة العليا. بعبارة أخرى، يمكن مجلس الشيوخ أن يساعد أو يعوق مسار عمل الرئيس وبرنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
إن زعيم الأغلبية الصديق في مجلس الشيوخ (مثل ميتش ماكونيل [جمهوري عن ولاية كنتاكي] اليوم) يساعد الرئيس عبر إتاحة قبول مرشحيه لمقاعد القضاة الاتحاديين، كما يمكنه أن يحبط خيارات الرئيس لهذه الهيئة، مثلما حصل عندما رفض ماكونيل نفسه السماح لمجلس الشيوخ بالتصويت على القاضي ميريك غارلاند الذي اُختير مرشحًا للرئيس السابق أوباما لشغل مقعد فارغ في المحكمة العليا.
انتخابات على مناصب الولايات
تُجرى عادة في يوم الانتخابات، ما عدا في حالات قليلة، انتخابات لاختيار حكام الولايات ومسؤولين حكوميين ومسؤولين محليين، واستفتاءات على قضايا معينة، وغيرها من حالات الاقتراع. سيجرى في عام 2020 انتخاب حكام 11 ولاية. وهناك الآن 27 حاكمًا جمهوريًا و23 ديمقراطيًا. يمكن الحاكم، بصفته الرئيس التنفيذي للولاية، أن يساعد حزبه على المستويين المحلي والقومي؛ لأنه يملك قدرًا من السيطرة على الموازنات، ومسائل اقتراع معينة، وعمليات التصويت وممارساته، وغيرها من الصلاحيات التي قد تكون ضرورية في منافسات متقاربة.
عملية الانتخابات الرئاسية
يتنافس عادة مرشحون عديدون للفوز بترشيح حزبهم، ونادرًا ما يفوز هؤلاء بالترشيح بالتزكية. وعادة ما يترشح الرئيس القائم على رأس عمله - والمفترض أن يكون زعيمًا لحزبه - لولاية ثانية من دون منافسة من داخل الحزب، إلا إذا اعتُبر مرشحًا ضعيفًا أو لا يمثل الحزب تمثيلًا واسعًا. لقد كان لآخر خمسة رؤساء قبل ترامب - الجمهوريون رونالد ريغان، وجورج بوش الأب، وجورج بوش الابن؛ والديمقراطيان كلينتون، وأوباما - شعبية كافية في أحزابهم، ولم يواجهوا اعتراضًا عند ترشحهم لولاية ثانية.
يظل من الممكن تحدي الرئيس من داخل حزبه، على نحو ما حصل مع الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر في عام 1980، عندما عارضه السيناتور الراحل إدوارد تيد كينيدي في الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي وحتى في مؤتمر الترشيح، حيث أقر أخيرًا بالهزيمة أمام كارتر.
ويُعتبر الرئيس ترامب مسيطرًا سيطرة كاملة حاليًا على الحزب الجمهوري، بينما يتمنى الكثير من الجمهوريين - الذين يشعرون بالاستياء منه، ومن سياساته، ومشكلاته الأخلاقية - أن يجري تحديه في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين. وكما ذكر أعلاه، أعلن ويلد ترشيحه عن الجمهوريين، وقد يتبعه آخرون، لكن فرص الجميع تصطدم بشعبية ترامب في قواعد حزبه التي تُبدي ولاءها له على الرغم من عيوبه الكثيرة.
يُختار عادة مرشح رئاسي لحزب معين ليكون مرشح الحزب عبر «عملية تصفية» تُعرف بالانتخابات التمهيدية والمؤتمرات الحزبية في الولايات والمستعمرات والمقاطعات ذات الإدارة الذاتية. ويبدأ الموسم الانتخابي الحزبي التمهيدي في فبراير 2020. باختصار، تعقد الولايات انتخابات تمهيدية لاختيار المرشح باقتراع سري. أما المؤتمرات الحزبية، فهي اجتماعات خاصة تعقدها الأحزاب في المجتمعات والدوائر الانتخابية المحلية، حيث يعطي المشاركون أصواتهم للمرشحين الأفضل. ويمكن أن تكون الانتخابات التمهيدية والمؤتمرات الحزبية مغلقة بحيث يستطيع أعضاء الحزب فقط التصويت فيها، أو مفتوحة فيمكن عندها لأي شخص التصويت فيها، أو شبه مفتوحة/‏‏‏ شبه مغلقة تتضمن النموذجين الرئيسين.
تجمع كل انتخابات تمهيدية ومؤتمرات حزبية عددًا معينًا من المندوبين لمصلحة مرشح معين، فإذا واصل المرشح حملته الانتخابية يزداد عدد المندوبين المستحق مع مرور الوقت. وإذا لم يبل المرشح بلاءً حسنًا أثناء حملته، فيمكنه أن يرهن (يمنح) مندوبيه لمرشح آخر في مؤتمر الحزب وأحيانًا قبله، فالهدف الرئيس للمؤتمر هو تسمية مرشح رئاسي نهائي للحزب للمنافسة في انتخابات‏‏ نوفمبر 2020. ومن الضروري أن يلقى المرشح نجاحًا جيدًا في الانتخابات التمهيدية المبكرة؛ ما يعزز موقعه في الانتخابات التمهيدية والمؤتمرات الحزبية اللاحقة ويمده بدفعة نفسية لازمة.
عادة ما يكون الشهر الأول أو نحو ذلك من الموسم الانتخابي التمهيدي فترة حاسمة للمرشحين، فمن المرجح أن يخسر ذوو الأداء الضعيف زخمهم، والأهم من ذلك يخسرون الدعم المالي الذي يوفره المانحون الكبار والصغار.

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below