الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  فــــرح .. ورزق

فــــرح .. ورزق

فــــرح .. ورزق

فلسطين - الوطن - أمين بركة
يشرع المزارعون الفلسطينيون في مثل هذا الوقت من كل عام في قطف ثمار الزيتون، حيث تعج الحقول بالمزارعين وعائلاتهم، لإنهاء موسم القطف بسرعة.
وبحسب بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية، يبلغ عدد أشجار الزيتون في الضفة وغزة نحو 8.5 ملايين شجرة، فيما تشكل مبيعات الزيتون حوالي 1 % من الدخل القومي العام. وتعتبر شجرة الزيتون في فلسطين رمزا للصمود والبقاء، في وقت تنفذ سلطات الاحتلال والمستوطنين حملة شرسة للمستوطنين ضد المزارعين الفلسطينيين منذ بدء موسم قطاف الزيتون.
وتعمد جماعات المستوطنين إلى اقتلاع الأشجار وسرقة الثمار وحرق المحاصيل، فيما تقع معظم الحقول المستهدفة قرب المستوطنات، كما أن سلطات الاحتلال تمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم في محاولة لإفساد موسم قطاف الزيتون.
وينظم نشطاء حملات لدعم المزارعين ومساعدتهم بقطف ثمار زيتونتهم، فيما تنظم وزارة الزراعة العديد من المبادرات الهادفة إلى مساعدة المزارعين، وتقوم وزارة الزراعة في بداية كل موسم بتحديد مواعيد قطف الزيتون للكبيس وللعصير لكل منطقة، وتحديد مواعيد تشغيل المعاصر، حسب كمية المحصول، وموعد الإزهار، والظروف الجوية التي سادت أثناء نمو المحصول، وكمية الأمطار في الموسم السابق.
وبصورة عامة، يحدد منتصف شهر أكتوبر موعدا لبدء القطف في المناطق الساحلية وشبه الساحلية والدافئة؛ وبداية شهر نوفمبر في المناطق الجبلية لأصناف: النبالي والسوري؛ أما الصنف النبالي المحسن فيتم تأخير قطفه إلى نهاية نوفمبر، وفي بعض الأحيان يبدأ المزارعون قطف الثمار مبكرا، من أجل الانتهاء منه قبل موسم الأمطار، مخالفين بذلك المواعيد التي تحددها وزارة الزراعة.
وترمز شجرة الزيتون في الثقافة الفلسطينية إلى حب الأرض والتفاني في خدمتها والتجذر والصمود فيها، فهم يستمدون صمودهم وثباتهم في أرضهم منها، لذلك تشتهر فلسطين بزراعة أشجار الزيتون في كل شبر من ترابها، وقلما تجد بيتا فلسطينيا يخلو من شجرة زيتون.
ويعتبر شجر الزيتون من الأشجار المباركة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، فهي شجرة مباركة ومثمرة ومفيدة، ويعد موسم قطف الزيتون في فلسطين عيدا يشارك فيه جميع أفراد الأسرة، حيث تقوم أحيانا وزارة التربية والتعليم والجامعات بإعطاء الطلاب إجازات خاصة لمشاركة أهاليهم في القطف، وذلك من أجل إنهاء موسم القطف بوقت مبكر، وتقليل تكلفة الإنتاج؛ إذ إنه كلما استثمرت أيام عمل غير مدفوعة الأجر في قطف الزيتون قلت كلفة الإنتاج.
وتختلف عادات الأسرة الفلسطينية أثناء موسم قطف الزيتون في كثير من الأمور، وخاصة فيما يتعلق بتحضير الطعام؛ حيث تعتمد العائلة على الوجبات الخفيفة، والمعلبات؛ لانشغال النساء بالقطف، وعدم قدرتهن على إعداد الطعام كباقي أيام السنة.
ويشارك جميع أفراد الأسرة الفلسطينية في قطف ثمار الزيتون، رجالا ونساء، حتى الأطفال، فالرجال والصبية عادة يتسلقون الأشجار أو السلم، بينما تعمل النساء والفتيات على التقاط ما يسقط من الثمار على الأرض، وجمعه في السلال والأوعية.
وغالبا ما تربط المرأة أو الفتاة الأطراف الأمامية من ثوبها الطويل إلى نطاقها، لتصبح المقدمة الأمامية لثوبها وعاء لجمع المحصول.
وللتغلب على التعب والإجهاد والساعات الطويلة من العمل المتواصل، يمكن للرجال الغناء وترديد الأغاني والأهازيج الوطنية والشعبية الفلكلورية المتوارثة عبر الأجيال، مثل العتابا، والميجانا، وعلى دلعونا، وغيرها، وكذلك يمكن للنساء والفتيات ترديد الأغاني الخاصة بهن، إذا كن بعيدات على مسافة من الرجال، ومتأخرات عنهم في العمل نظرا للحياء والخجل الذي يزين المرأة والفتاة، كما يمكن للجميع الاستمتاع بالاستماع لسرد القصص والحكايات الشعبية التي تحمل معاني البطولة وقيم الشجاعة والكرم والشهامة، والتضحية في سبيل الوطن.
ويحتاج قطف ثمار الزيتون عن الأشجار، ثم جمعها من على الأرض، وتعبئتها في أكياس أو أي عبوات أخرى، ونقلها للمعصرة أو مكان التجميع، تحتاج لمجهود كبير، لصغر حجم ثمار الزيتون، بالنسبة لثمار الفواكه الأخرى.
وعلى الرغم من الأبحاث العديدة التي أجريت في موضوع طرق القطف البديلة، مثل القطف الميكانيكي، والقطف الهرموني (المواد المنتجة لغاز الإيثيلين)، إلا أن القطف اليدوي يبقى الأكثر شيوعا في مختلف دول العالم المنتجة للزيتون.
وتشكل تكاليف القطف من 35 %-40 % من مجمل التكاليف الكلية لدونم الزيتون، كما أنها تشكل 50-70 % من مجموع أيام العمل المستثمرة في كافة العمليات الزراعية خلال السنة.
وطريقة القطف لها تأثير كبير على نوعية ثمار الزيتون، كما أن موعد القطف له تأثير كبير جدا على نوعية الثمار والزيت الناتج منها، فالقطف في الموعد الصحيح يعطي زيتا بنوعية أفضل، كذلك فإن الثمار التي تقطف قبل موعد نضجها، أو تكون قد تعرضت للضربات أثناء القطف والجمع والنقل تبقى ذات نوعية سيئة.
وفي فلسطين، يبدأ موعد قطف ثمار الزيتون عادة عند وصول الثمار للحجم الطبيعي، في حالة كونها معدة للكبيس، أو أن نسبة الزيت وصلت إلى أعلى نسبة لها، ويكون نضج الثمار بعد حوالي خمسة إلى ثمانية أشهر (5-8) من تاريخ الإزهار، حسب: المنطقة، والصنف، والظروف الجوية، وعوامل أخرى عديدة، مثل: التربة، وكمية المحصول، والمعاملات الزراعية من تقليم، وفلاحة، وري، وكذلك عمر الأشجار، والأصل المطعمة عليه الأشجار.
وعند بداية النضج تكون نسبة الزيت منخفضة، ثم تبدأ بالزيادة حتى تصل إلى أعلى نسبة خلال بضع أسابيع عند النضج الكامل، وهو عادة ما يكون في أشهر: أكتوبر، ونوفمبر. وعند وصول الثمار لدرجة النضج الكامل، تبقى كمية الزيت في الثمار ثابتة، وإن اختلفت نسبتها بسبب الأمطار أو مياه الري، ويكون موعد القطف للكبيس أو العصر في المناطق الساحلية وشبه الساحلية والغورية مبكرا عن موعد القطف للكبيس والعصر في المناطق الجبلية.
وقطف الزيتون للكبيس الأخضر يكون مبكرا بحوالي 2-4 أسابيع عن موعد القطف للعصر؛ أما موعد القطف للكبيس الأسود، فقد يتأخر عن موعد القطف للعصر بحوالي الشهر أيضا. كذلك يتحدد موعد القطف تبعا لنوعية الزيت المراد الحصول عليها، فالقطف المبكر بعد النضج يعطي زيتا بنوعية أفضل من القطف المتأخر.
أما ثمار الزيتون المعدة لإنتاج الزيت يحدد موعد قطفها تبعا لنسبة الزيت التي تحتويها، وليس حسب اللون فقط؛ لذلك يفضل القيام بأخذ عينات ثمار زيتون من المنطقة المراد بدء القطف فيها وفحصها في المختبر، ومن ثم تحديد موعد القطف، وهناك الطريقة البدائية المتبعة لدى المزارعين لفحص الثمار عن طريق الضغط على الثمرة بالأصابع؛ فإذا كانت طرية، واللب ينفصل بسهولة عن النواة، وتتجمع كمية جيدة من الزيت، فهذا دليل على نضج الثمار.
وعند وصول الثمار لمرحلة النضج، يمكن قطفها خلال شهر أو شهرين، دون أن تقل كمية الزيت في الثمار، بشرط أن تكون الثمار غير مصابة بذبابة الزيتون، مع العلم أن التأخير الزائد في موعد القطف، يؤثر على نوعية الزيت وطعمه.
ويعتقد الفلسطينيون أن ثمار الزيتون التي تقطف فورا بعد النضج الكامل، تعطي زيتا أكثر لزوجة وبلون أخضر مصفر ذو رائحة خاصة، ويمكن تخزينه لفترة أطول؛ أما ثمار الزيتون التي تم قطفها بعد النضج الكامل بفترة متأخرة، فإنه يكون من السهل استخراج الزيت منها، كما أن زيتها يكون بلون أصفر، وطعم سلس، وغير حار، ورائحته غير نفاذه، وله قدرة أقل على التخزين.
وبالنسبة لثمار الزيتون التي تقطف قبل النضج الكامل، فإن كمية الزيت فيها تكون قليلة، ومن الصعب استخراج الزيت منها في المعصرة؛ وزيتها يكون ذا طعم مر وحار، وبلون أخضر. ويستعمل هذا الزيت أحيانا لخلطه مع الزيت المكرر؛ لإكسابه طعم ورائحة الزيت الجديد، ومن هنا يجب عدم قطف ثمار قبل نضجها، أو بعد نضجها بفترة طويلة.
ويحدد موعد قطف ثمار الزيتون للكبيس تبعا لحجم الثمار ولونها، وبعد أن يتجمع في لب الثمرة حد أدنى معين من الزيت؛ فالثمار المفضلة للكبيس الأخضر، هي ذات اللون الأخضر، الذي يميل قليلا إلى اللون الذهبي (لون القش).
ويفحص بعض أصحاب مصانع التخليل ثمار الزيتون كيميائيا، عند بدء القطف، باستعمال محلول الصودا الكاوية (تركيز 1.7 %)، وفحص سرعة تغلغل هذه المادة في لب الثمرة، حيث يجب أن لا تزيد سرعة تغلغل الصودا الكاوية في لب الثمرة وحتى وصولها النواة عن 4-6 ساعات. ويجب عدم استعمال ثمار زيتون للكبيس لم تصل مرحلة النضج المطلوبة؛ لأن ذلك سيؤثر على جودة الزيتون المكبوس.
ويحرص المزارعون عند القطف على سلامة الثمار من الإصابة بالرضوض، من أجل الحصول على نوعية ثمار بجودة عالية، سواء للكبيس أو العصر، وللحصول على زيت فاخر؛ فكل ضربة تتلقاها الثمرة أثناء القطف والنقل تؤدي إلى تشجيع نشاط الإنزيمات التي تفسد محتواها، وإلى حدوث تبقع فيها؛ الأمر الذي يخفض جودتها للكبيس، ويساعد على سرعة فسادها، وزيادة الحموضة فيها.
ويعد إبقاء الثمار على الأشجار إلى ما بعد النضج، لقطفها بطريقة الهز خطأ جسيما، لأن الزيت الناتج من هذه الثمار يكون بجودة أقل.
وتتعدد طرق قطف ثمار الزيتون؛ فهناك طريقة القطف اليدوي التي تعد أفضلها؛ وطريقة القطف بالعصي التي تعد أسوأها والتي اختفت تقريبا في أيامنا هذه؛ وطريقة القطف الميكانيكي باستعمال عدة أنواع من الهزازات والأمشاط الآلية واليدوية؛ ثم طريقة القطف الهرموني باستعمال المواد المنتجة لغاز الإثيلين.
وعند نقل الزيتون إلى المعصرة، فإن أفضل طريقة هي باستخدام الصناديق البلاستيكية، أو الخشبية المصنوعة خصيصا للزيتون، والتي تكون مهواة من جميع الجوانب بوجود فتحات صغيرة لا تخرج منها الثمار، إلا أن صعوبة استخدام هذه الصناديق بسبب وعدم توفرها أحيانا، وكذلك لاعتماد الحيوانات كوسيلة نقل رئيسية؛ نجد أن الأكياس هي العبوات المستخدمة لنقل الثمار.
ويجب تجنب استخدام الأكياس البلاستيكية، واستعمال أكياس الخيش النظيفة، وعدم إبقاء الثمار لفترة طويلة داخل الأكياس، إذ يفضل تفريغ الأكياس من الثمار عند وصولها للمعصرة، في أحواض خاصة، وبطبقة ليست سميكة، لأن بقاء الثمار في الأكياس من شأنه أن يرفع درجة حرارتها، ويساعد على فسادها؛ ما يزيد من حموضة الزيت، فكلما كانت المدة التي تبقى فيها الثمار في الأكياس أقصر يكون ذلك أفضل للحفاظ على نوعية الزيت.

الصفحات

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below