الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  باب الـمـكـاشَـفـة !

باب الـمـكـاشَـفـة !

باب الـمـكـاشَـفـة !

بقلم- د.سعاد درير كاتبة مغربية
وعَادَ مجددا يَخِزُنِي بِشَوْكَة لامبالاته.. !!!
أَمَا قُلتُ له إنه يَسجنني في قَفَص بِلا قُضبان، قَفَص اكتراثه بِكُلّ شيء إلا بي؟!
لا، لا.
عاد يَذبحني بِصَمته المرير..
نَعَم، عادَ هو..
عاد يَنظر إلىَّ من بعيد نظرة جافة، نظرة تَشقّ قلبَ الحجر، بل مرارا كنتُ قد اختلستُ النظرَ إليه لِأَجِدَه يَرمقني بملامح ساخطة..
ملامحُه الساخط قلبُ المرأة عليها خِلْتُها تُشَكِّكُ في وجه أُنوثَتي التي لم تَغِبْ عنه يوما..
---
اِغْرَوْرَقَتْ عَينايَ قُبالَةَ الْمَشْهَد الذي أَلْهَبَ حُفْرَتَيْ جَهَنَّم تَنْتَصِب فيهما مُقْلَتان، وتَسَلَّلْتُ فارَّةً إلى عالَمي المغلَق حتى أَضْمَنَ السيادةَ لِقُوة شخصيتي في عَيْنَيْ الآخَر..
كالهاربة مِن طفولة مُمَزَّقَة البراءة طَفقْتُ أَفْرِكُ عَيْنَيَّ لأستوعبَ الرؤية بالعَين بعد أن تَعَذَّرَت الرؤية بالقلب..
لا أُصَدِّق.. !
---
لا أُصَدِّق.. لا أُصَدِّق أنني كُنتُ أَجْلِسُ قُبَالَتَه كالصخرة جاثمة الأنفاس بعد أن ابْتَلَعْتُ لساني، ابتلَعْتُ فَمِي هو الآخَر وأنا أُكَذِّبُ أن يَكون هو ذاك الذي عشقْتُه حتى النخاع..
بِالله عليه.. !
أأنَا أستَحِقُّ منه هو بالذات أنْ يَتْرُكَني أَقِفُ كَجِدار؟!
أأَسْتَحِقُّ منه أنا أنْ يَذبَحَني، حتى العَظم، وقد أَمَّنْتُه على قلبي وكُلّ خَلِية في جسدي وعقلي ووِجْداني؟!
---
غَمَّازَتان ولَوْزَتان قالَ!!!
بِرَبِّه!
أَهَذا هو الكائن نَفْسُه الذي كان يَعِدُني ويُمَنِّينِي (قبل الوصال) بِلَوْزَتَيْن يُغَمِّسُ كُلَّ واحدة منهما في عَسَلِ بُحَيْرَتَيْ غَمَّازَتَيْن تَحدّان الشِّفَاه بِعَرض ألفَمِ قبل أنْ يُمَتِّعَ لسانَه بِلَعْقِهِما؟!
أَهُوَ ذاك الكائنُ نَفْسُه؟!
---
اِسْتَلْقَيْتُ على سَريري وأنا أُجَرِّبُ على مَضَض أنْ أُضْمِرَ بعيدا عنْ مَرايا عَيْنَيَّ صُوَرَ ذلك الْمَقْلَب..
أَوَأَنسى ذلك الْمَقْلَبَ الذي شَرِبْتُه كطفلةٍ ساذجة بعد أنْ جَفَّ بَحْرُ البراءة حالِفاً أنْ يَرْحَلَ عن زمني..؟ !
---
هُنَا سَريرُه.. هُنا أنفاسُه حَلَّتْ.. هُنا رائحةُ سَجائِرِه لَوَّثَتْ مُناخي النَّفسي، وهَا هِيَ ذِي مِن بعيد تَتَمَدَّدُ سَجَائِرُه لِتُعَكِّرَ صَفْوَ مِزاجي الذي لا تَخْفَى عنه تَقَلُّباتُه..
كَمْ مَرَّة جَرَّبَ أنْ يَسْتَلْقِيَ مكاني وهُوَ يَدْعُوني إليه؟!..
كَمْ مَرَّة اسْتَدْرَجَني إليه مُخَدَّرَةَ الجسدِ ثَمِلَةَ الرُّوحِ؟!..
كَمْ مَرَّة بَعْثَرَ ملفَّاتِ غُرْفَتِنا لِيَعْلُوَ صوتُ صهيل خَيلِه الراكضة في حَلَبة سِباق زَمني وزَمنه؟!..
واليَوْم فَعَلَها وأَراني الوجهَ الآخَر.. !
---
بِالله عليه!
أَلِهَذَا كُنتُ أُخَمِّنُ أَلْفَ مَرَّة ومَرَّة في أَلاَّ أُنْجِبَ منه حتى لا يَتَحَوَّلَ الطفل إلى وسيلةِ ضغطٍ عَلَيَّ لِأَجْلِ ألاَّ أَنْفَصِلَ عنه؟!
---
بِالله عليه!
كَيْفَ يُصَوِّرُ له عَقْلُه أنْ أَصْمُدَ وهُوَ يَقُصُّ أَجْنِحَةَ المرأة الذائبة فِي دَواخِلي؟!
---
اِقْتَرَبَ مِنِّي وسَهْمُ الدُّنُوّ بَعد الهجر يَنالُ منه..
اِقْتَرَبَ وأنفاسُه تُسابِقُ ظِلَّه ورائحتَه إِلَيَّ، أَوْقَفَتْهُ راحَةُ يَدِي بعد أنْ قَبَّلَها وقبَّلَ جَبيني مُسْتَعْطِفاً..
لَكِنْ هَيْهَاتَ.. !
هَيْهَاتَ لِقَلبي أنْ يَستجيبَ لِنِداء عَيْنَيْه..
---
وَيْحَهُ الشوقُ الذي يُصَيِّرُه هو الْمَفْتُول العَضلات عُصفورا يَنْتَفِضُ عند أَوَّلِ ريحٍ عاتية تَقْلِبُ طاولةَ العاطفة وتَنْثُرُ وُرودَ الحُبّ التي كُنْتُ أَتَسَلَّى بِتَخزينها كُلَّما أهداني إياها..!
أَأُسَامِحُه؟!
لاَ وَرَبِّي.
أَأُعَاقِبُه؟!
لاَ وَرَبِّي.
---
بِالله عليه!
بِالله عليه كيفَ يَفعلها وأنَا أُعَبِّدُ مَسافاتِ عينيه وخُطاه عِبادةً عِبادةً؟!
---
أَهُوَ هذا الذي كانَ بِالأَمْس يُجاوِرُني قُبالَةَ النافورة التي تَتَوَسَّدُ ألفُندق الْمُطِلّ على المدينة التجارية ونَحْنُ نَلْتَقِطُ لِوَجْهَيْنا ونِصْفَيْنا العُلْوِيين «سِيلْفِي» نُعَلِّقُه على جِدار الذاكرة الْمُتَمَنِّعَة؟!
أَهُوَ هذا الذي كان بِالأَمْس يَرْجُوني أَلاَّ أَضَعَ الصُّورة الـ«سِيلفي» في بروفايل الواتساب على هاتفي خَشيةَ أن نَتَعَرَّضَ مَعاً لِضَربة «عَين حَسود» كما كان يُبَرِّرُ لي بعد أن عَرضتُ عليه الفكرة وهو يُمَاطِل ويَتَهَرَّب غيرةً عَلَيَّ لا أكثر؟!
أهو هذا الذي لا يَتركني لِأَمْضي إلى عملي إلاَّ مُتَلَهِّفاً على عودتي إلى البيت لِيَطِمَئِنَّ فُؤادُه العاشق؟!
---
بَعْدَ فَوات الأوان جاءَنِي يَعْتَذِرُ والنَّدَمُ يُبَلِّلُه..
وهَا هِيَ حَصيرة أُخْرَى مِن الأَعْذار يَفرشها لِي وقد عَلَّقَ خَيبتَه على عمود الانتظار..
---
أَوَلاَ يَدْرِي هُوَ شيئا عنْ فُجُوري في الانتقام؟!
أَوَلاَ يَدري هو شيئا عنْ فُجوري في الثأر لي منه بِدَفْعِي له إلى الانصهار رويدا رويدا على صفيح صَمْتِي الساخِن سخونةَ شِفاهٍ هاربة مِنْ معركةٍ بَطَلَتُها قُبلة مُطَوَّلة؟!
---
بِالله عليه!
أَوَلاَ يَعْنِيه هو أنْ يَسقط فوقَ رأسِه سقفُ تَسامُحي الذي فاضَ به الصبرُ؟!
أَوَلاَ يَعنيه هُوَ كَمْ ذَيل رَجُلٍ قَصَصْتُه بعدَ أنْ جَلَدْتُ به نَفْسِي قَبْلَ أنْ أُضْرِبَ عَنْ دِين الرِّجال؟!
---
جَبَرُوتُ المرأة التي أَكُونُها لا يَسمح لي بِأَنْ أَغْفِرَ زَلَّةَ رَجُلٍ يُسَوِّلُ له شَيطانُه أنْ أَغْفِرَ زَلَّةَ عَبَثِه بِكِبْرِيائي..
والآن؟!
الآن ها أنا أراهُ مُنْكَمِشاً على نَفْسِه انْكِمَاشَ قِطٍّ صَدَّتْه أُنْثَاه التي لا تَرحم حتى في مَواقِف المزاح.. !
الآن أرَاه يَتَلَوَّى رغبةً في أنْ يُلاعِبَني مُلاعَبَةَ ذَكَرِ الأرانِب الذي يَسْتَمِيتُ في طَلَبِ صَفْحِ أُنْثَاه التي لا تُنْسى ولا تُقْهَرُ لها رَغْبَة تُحَرِّكُ عالَمَ الذُّكور بِضَرْبَةِ مطرقة العَاطِفَة.. !
---
مِن الآن سَأَتَوَقَّف عن أنْ أَكُونَ قِطَّتَه الْمُدَلَّلة كما يَشاء..
مِن الآن سأَكُفُّ عن أنْ أَسْمَحَ له بأنْ يُصَيِّرَنِي أَرْنَبَه الْمُشْتَهاة..
---
فَلْيَشْهَدْ أنني أَهدأ أكثر مما يَنبغي، أَهْدَأ كالبحر ساعةَ الصفاء، لكنني حين أثورُ فإنني أُعْلِنُ العِصيان وأَتَمَرَّدُ على كُلّ الأبجديات والقوانين وقواعِد العِشق غير الأربعين تِلْكَ التي سَطَّرَتْها التركية إِليف شافاق..
---
أَأُسَامِحُه؟!
قَلْبِي يُغْلِقُ النافذة في وَجهه..
أَأُعاقِبُه؟!
رُوحي تَسْتَخْسِرُ انْكِسارَ عَمودِها الفقري تَحت ضَغْطِ قُوة ساعِدِه..
أَأَذْكُرُه؟!
لا.
أَأَهْجُرُه؟!
لا وَرَبِّي.
---
الخائن.. !
لا!
كيفَ يَجْرُؤُ هو على أنْ يَخُونَ مَشاعِري؟!
كيفَ يَجْرُؤُ هو على أنْ يَخُونَ ثِقَتِي فيه؟!
ما كانَ أَمِيناً عَلَيَّ، ما كانَ..
سَأُلَقِّنُه دَرْسَ عُمْرِه..
---
لَكنني سَأُشْفِقُ عليه.. سَأُعاتِبُه بِحُبّ، وأُحاسِبُه بِحُبّ، وأُعَاقِبُه بِحُبّ..
ولَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَه وبينَ الموتِ لَاخْتَرْتُ الموتَ فيه حُبّاً..

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below