الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  مــتــاهـــة المــونــتـير

مــتــاهـــة المــونــتـير

مــتــاهـــة المــونــتـير

بقلم : د.عادل بدر كاتب مصري
إن مصطلح قصيدة النثر اكتسب استقلاليتها بوصفه نوعاً شعرياً ذا خصائص وسمات مميزة، فهو يحمل شكله الخاص قبل كل شيء، وقصيدة النثر هي دائرة أو شبه دائرة، هي مجموعة علائق تنظيم في شبكة كثيفة، ذات تقنية محددة وبناء تركيبي موحد، منتظم الأجزاء، متوازن، تهيمن عليه إرادة القصد التي تراقب التجربة الشعرية وتقودها وتوجهها، إن قصيدة النثر تبلور قبل أن تكون نثراً ـ أي أنها وحدة عضوية وكثافة وتوتر ـ قبل أن تكون جملاً وكلمات. هي ذات نوع متميز قائم بذاته، ليس خليطاً، هي شعر يستخدم النثر لغايات شعرية خالصة، لذلك لها قوانين ليست شكلية فقط، مفروضة عليه بل عميقة تنبع من داخل النص، وعند الولوج للنص تتضح مقومات كل نص، وقد تكون مشتركة مع غيره، وقد تكون مميزة لشخصيته الشعرية.
والبحث في هذه النصوص له فصول عدة نبحث في بعضها، ومن الدواوين المعبرة عن النصوص الجديدة ديوان (متاهة المونتير) للشاعر فريد أبوسعدة أحد شعراء السبعينيات والذي أصدر الكثير من الدواوين منها: "وردة ٌ للطواسين" "‏الغزالةُ تقفزُ في النار" ‏ "ذاكرةُ الوعل" ‏"معلَّقة ٌ بشص" "جليس ٌ لمحتضر"‏ وغيرها.....)
العنوان
المتاهة هي: سلسلة من الممرّات بعضها مغلق وبعضها مفتوح تستخدم لقياس القدرة على الاستفادة من الاختبار، كما أنها أحد أنواع الألعاب التي تنشط العقل والتفكير، وتحتوي على عدة طرق منها السهلة والمعقدة، التي يتطلب حلها إيجاد الطريق الصحيح للوصول إلى نهاية المتاهة.
والمونتير أو محرر الأفلام (المُمَنتج) الشخص الذي يقوم بالمونتاج وتركيب المقاطع بشكل قصصي متسلسل؛ لخلق الإحساس المطلوب، عن طريق إيجاد أحسن الصور والأصوات المتاحة للوصول لهذا الهدف؛ حيث يعبر الشاعر عن ذلك (أنا الكومبارس العتيد/ ‏الذي عاش أكثر من حياته/‏ والتقى بكل الشخصيات/‏ حتى التي لم توجد قط!/‏ أنا الذي عشت في الماضي/‏ قريبا من الرشيد/‏ وأنبياء «العهد القديم»/‏ واستُدعيت إلى حيوات أخرى/‏ لم تأتِ بعد/‏ أنا الذي أفهم اللعبة تماما/‏ لن أسمح بهذا العبث أبدا/‏ إذا كيف أتمدد كجثة/‏ طوال العرض/‏حتى لو كان كل شيء/‏ كما يقول المؤلف) ومهمته الرئيسية هي أن يحكي القصة بأكثر الطرق وضوحاً وتركيزاً، فهو يبني فراغ الشاشة من خلال تجاوز الصور المرئية والسمعية لخدمة الغرض، يقول أبو سعدة:
(بارتباك الأبطال أمامي
وبالشتائم التي تأتي
من خلف الكواليس!
تحمست وصفقت للمثل
حدجني المخرج وصاح: أعد التصوير.
فهو يراعي مبادئ جمالية أساسية لا تختلف عن المبادئ التي يجب أن يراعيها المونتير للحصول على النسخة النهائية في الفيلم السينمائي. فالشاعر يفكر في اللقطات ليس فقط في كيفية علاقة كل منهما بالأخرى، ليحكي القصة، بل أيضاً في كيفية تتابع الصور المرئية بين لقطة وأخرى (نظر البطل للبطلة الجميلة/‏ مبهورا بعينيها المختلفتين/‏ واحدة زرقاء والأخرى خضراء/‏ قال البطل للبطلة الجميلة الناعمة/‏ دعك مما قال الآن) ثم الانتقال بين كلا منهما.. فتفصيل وسيلة انتقال عن أخرى يعتمد على الانطباع الذي يسعى النص الشعري توصيله إلى المتلقي.
المونتير(الشاعر) يروي نصوصا مرئية من خلال التسلسل والإيجاز والإيقاع. كما يفعل المخرج في مرحلة الإخراج. فالتسلسل يظهر في بساطة السرد اليومي
يقول أبو سعدة:
فبعد ساعات قليلة
سأذهب إلى المعرض
وأختار ما أريد، وبالتقسيط المريح
هكذا كان العرض من الشركة
أخذوا بياناتي، وحسابي المصرفي
وأنا أيضا، أخطرتهم بمواصفات من أحب...
ثم أختار المرأة والأصدقاء الذين يعجبوني.
كما أن الإيجاز يمتزج في التعبير عن العادات اليومية، ومصطلح «قصيدة النثر» يجب أن لا يجزأ مفهومياً، فتأكيد النوع واضح المعالم في تقديم كلمة «قصيدة» على كلمة «النثر».
فالشاعر (كان يصرخ في النوم/‏ دادي..دادي..مام/‏ دبابة تطاردني!/‏ ثم ينهض مفزوعًا ويعدو إلى الخزانة!).
ونجد في متاهة المونتير مقومات رئيسة تكشف وتبوح بمكنون النص: الحركة - الإيقاع – التعبير؛ فيقال إن المونتاج خلاق للحركة - خلاق للإيقاع - خلاق للأفكار (التعبير).
الحركة
فبصرف النظر عن الحركة الفعلية التي قد تتضمنها أي لقطة في هذا الديوان فعند وصل أي لقطتين معا (حركة العجوز/‏ حركة الجمهور) في قصيدة العجوز، أو ما يسمى بـ(مونتاج) ينشأ عن هذا الاتصال حس حركي إضافي (حركة مضمرة) نتيجة وصل نهاية اللقطة الأولى ببداية اللقطة التالية وهذا الحس الحركي لا يرتبط بحركة محددة يمكن التعرف على شكلها أو تسميتها ولكنه يحدث بشكل تجريبي نتيجة لحدوث تباين أو أكثر بين بعض المؤثرات البصرية، يقول أبو سعدة:
عجوز على كرسي متحرك
تدفعه امرأة بين السحب هناك
ثم تتوقف فجأة
وتواجه الجمهور
لم يعد في إمكاني إرضاؤه
هذا الثرثار عديم النفع
صرخ المخرج: لا.. ليس هكذا
أريد انفعالا حقيقيا
.... وشهق الجمهور وهو يسقط عليهم من علٍ
كنيزك قديم!
الإيقاع
إيقاع القصيدة إيقاع الانتشار الممتد من بداية القصيدة؛ ليخلق صورة جديدة بدلالة جديدة في فضاء دائري يبلغ منتهاه. إن البنية الإيقاعية التي تقوم عليها قصيدة النثر هي بنية ذاتية خاصة «تلغي كل ما يمكن من شكلية موسيقية خارجية، وتقوم على موسيقى داخلية تنبع من الحدس بالتجربة الشعرية، تجربة أحالت التفجير محل التسلسل، والرؤيا محل التفسير» يقول أبوسعدة:
منذ تجولتُ في الكتاب
وتنقلت مع الربان بين الجزر الموحشة...
أن ألفت نظر الذين يذهبون إلى المكتبة
أن أثير فضولهم للكتاب
لكن أحدا – حتى الذين قلّبوا في الكتاب-
لم يصل إلى موضع هذه المشاهد...
لكن أحدا لم يفعل!
الغرائبية
الملاحظ أن هناك طاقات ضخمة في اللغة الشعرية وهذه الطاقات مخبؤها في الغرائبية التي يعتمد عليها النص (الكلمة) وما تشكله تلك الغرائبية من إضافة مذهلة لسحر الجملة الشعرية والتي تديم إرسالياتها مع تلك الغرائبية التي تنقل المتلقي إلى الأبعاد العميقة لا بتأثير المضمون (الفكرة) العام للنص، وإنما بتأثير السُّلم الانتقالي الذي يتصاعد تباعا ولا يختفي عند حد.
يقول أبو سعدة:
مائدتي تل
وأنا أولمت العالم حوتا يتبخر في رمل الصحراء
جاءتني جمهرة طيور البحر
جاءتني أفراس النهر وجاءتني الغزلان
أحصنة، وسباع، ووعول.

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below