قليلة هي الأنظمة العربية التي نجحت في تغيير واقع شعوبها وتحقيق الحدّ الأدنى من الرفاه الاجتماعي والاستقرار السياسي والنموّ الاقتصادي رغم الثروات الهائلة التي تتمتع بها المنطقة. فالمتأمل في حال أغلب بلدان المنطقة سيكتشف بلا ريب أن الثروات الوطنية لم تتجه إلى تحقيق الأهداف المرجوّة منها.. لكن في المقابل شبعت الشعوب حتى التخمة بالخطب الرنانة والوعود من كل الأنظمة التي تداولت على حكمها، فكانت وعود الرخاء وتحرير فلسطين وإنجاز الوحدة ومقاومة الفساد خبزا يوميا لعدد من الأنظمة التي وصل بها الأمر أحيانا إلى رفع شعار محاربة الامبريالية العالمية والوعد بهزيمتها.
من جهة أخرى يبدو أنّ هذه الشعوب لم تُحصّن بعد من خواء الخطابات السياسية والشعارات الرنانة المحشوّة بالأكاذيب الإيديولوجية والتضليل الحزبي والتحيّل الفكري. فلا تزال أنظمة كثيرة تستدعي نفس الأدبيات وترسل نفس الخطابات التي يروّج لها الإعلام وتصدقها العوامّ دون أن يكون لها على أرض الواقع أثر يُذكر.
في المقابل نجحت دول قليلة جدا في تحقيق فعل على الأرض دون خطب أو زعامات أو أحزاب بل تأسس فعلها على رؤية ثابتة وأهداف واضحة حوّلتها من بُقع صحراويّة ومسطحات ملحيّة إلى قوى إقليمية نوعية يُحسب لها ألف حساب، لعل مناسبة كأس العرب التي تنظمها قطر دليل ملموس على قدرة هذا البلد الصغير مساحة وسكانا على تحقيق ما عجزت عنه الدول الكبرى تنظيما وتشييدا وتحصينا.
لا يتعلّق الأمر بالملاعب الفخمة والبنية التحتية العالمية بل يتعلّق أساسا بالقدرة التنظيمية على تحقيق أعلى درجات الإحكام والانضباط التي تردد صداها في الصحافة الفرنسية وهي تتساءل: كيف ستكون كأس العالم إذن ؟
لقائل أن يقول: لكنّ قطر دولة غنية ولديها موارد ضخمة ! الجواب: لماذا لم تنجح في مثل ذلك دول عربية تبلغ ثروتها أضعاف أضعاف دولة قطر؟ أليست الحكمة في إدارة الموارد لا في امتلاكها؟ أليست الحكمة في الفعل لا في الزعامات الفارغة؟
من يبني على الأرض ويصنع تاريخه ويحقق رفاه شعبه ويعين إخوانه في المشرق والمغرب ليس كمن يخلق الأزمات ويصنع البطولات الوهمية والأساطير الخاوية التي لم تورّث الأمة وشعوبها غير الخراب. قطر ستبقى درسا في البناء والفعل وإنكار الذات لتكون نموذجا لقدرة العقل العربي على تحقيق ما يعتبره غيرها مستحيلا لأنّ المستحيل ليس قطريا خاصة أنه يتمّ دون ضجيج.
بقلم: محمد هنيد