تسريبات البيت الأبيض شديدة الحساسية، ليست عملا إعلاميا عشوائيا، ولا برنامجاً فضائياً يحمل رسالة عائمة، وإنما إفصاح عن توجه يحتاج إلى جواب مباشر من الحلفاء والخصوم، ربما ذلك هو ما يمكن قراءته في دلائل هذه التسريبات التي تناولتها الصحافة الأميركية، عن مسؤولية شخصيات في أحداث سبتمبر في نيويورك، واستَبقَتْهَا لهذا التوقيت. ولماذا هذا التوقيت الذي يتزامن مع آخر عهد الرئيس أوباما وربما آخر اللقاءات المفصلية مع دول الخليج، في اجتماعات الرياض هذا هو السؤال المهم، وهو سؤال يُستدرك دائما عليه، «بلاكن» رسمية في الخليج؟

هذه اللاكن تطرح مفهوم تغيّر السياسة الأميركية بين المحافظين الجمهوريين واللبراليين الديمقراطيين، وأن رزمة المقترحات التي يحملها أوباما ممكن أن تتغير، بصفقات نوعية للمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة مع الخليج العربي.

والحقيقة أن دلائل تموضع واشنطن الجديد، لا يقف عند أحاديث الرئيس أوباما الواضحة والجلية، والتي لا تختلف مع المحافظين بما فيهم مرشح الرئاسة ترامب، إذا استثنينا هوسه السلوكي المنحط، الذي دفع به نموذج الديمقراطية الأميركية.

فالخليج العربي، لم يعد هو ذلك الخليج الذي تراهن واشنطن على ترضيته وتستفيد من مواقف سياسية مشتركة معه، ومجمل الأسواق النفطية والمصالح الاقتصادية، باتت تتجه في تنوعات أخرى.

الأمر الآخر هو أن دول الخليج العربي، لا تزال تترقب مستقبل العلاقات الأميركية الإيرانية، وتقاطعاتها مع الروس في ملف أزمات الشرق العربي، وحديث الوزير كيري لا يُغير من الخطوات العملية المستمرة في هذا التموضع الأميركي الجديد.

وبالتالي واشنطن قد تتلقى رسائل أخرى من دول خليجية، مختلفة عن المحور الرئيس فيه، وما يهمنا هنا أن دلائل التموضع الاستراتيجي الجديد هي في الحقيقة قوية بالقدر الكافي، فماذا يريد الرئيس أوباما من دول الخليج العربي.


في المنظومة المتلاحقة من خطابات الرئيس والمسؤولين والتسريبات والتغطيات المباشرة للعلاقات الأميركية الخليجية هناك ثلاثة مسارات:

1 - الأول وربما هو الأهم رفض أي توازن محوري مستقل تحققه دول الخليج العربي بقيادة الرياض، فيخلق محور جديد بينها في المشرق العربي والشرق الإسلامي مقابل التسويات بين الغرب وإيران وموسكو، التي يحضر الأمن الإسرائيلي فيها.

وهذه لا يجوز التخلي عنها، ولا قبول نصائح الغرب فيها، وإنما تعميقها باتجاه مصالح المشرق العربي استراتيجيا، مع احتواء الموقف الأميركي دبلوماسيا.

2 - منظومة الحقوق الشخصية والدستورية، وهي سلتّان، السلة الأولى تركز فيها واشنطن على حقوق الأقليات ككوتا منفصلة عن الشعوب وتكريس الانقسام المذهبي، بدل المواطنة الدستورية، وتركز واشنطن على بعض الحقوق الشخصية ضمن الرؤية اللبرالية الحادة.

والسلة الثانية التي تمر بها واشنطن سريعا، ولا تُعيرها أهمية بالغة، هي مفهوم الإصلاح الدستوري الوطني الشامل ودولة الحقوق والواجبات، وهي الحقيبة التي تحتاجها دول الخليج العربي مع تسوية ملفات الحقوق السياسية، وقد تقدمت قطر مؤخراً في نموذج العفو السياسي، من المهم أن يتتابع في دول الخليج العربية الأخرى.

3 - المسار الثالث وهو مسار حسّاس للغاية، وهو الخطاب الديني أو تجاوزاً الخطاب الإسلامي، ونقول تجاوزا لأن خطاب الإسلام حقٌ مطلق، أما الاجتهاد في فهم الدين فمحل نظر ومراجعة.

فواشنطن تطرح دور خطاب الخليج الديني في تعزيز التطرف دون النظر لمستفزاته ودور حروبها فيه.



بقلم : مهنا الحبيل